الصفحة 75 من 75

تقديره: يبكيه ضارع [1] . وإن كان للفعل أكثر من مفعول مسرح-أي مباشر بلا حرف- فإن كانا متغايرين جاز الإسناد إلى أي منهما [2] . قال المبرد:"فإن أظهرت زيدًا غير مجرور قلت أُعطِيَ زيدٌ درهمًا، وكُسيَ زيدٌ ثوبًا، فهذ الكلام الجيد. وقد يجوز أن تقول أُعطيَ زيدًا درهمٌ وكُسِي زيدًا ثوبٌ، لمّا كان الدرهم والثوب مفعولين كزيد جاز أن تقيمهما مقام الفاعل، وتنصب زيدًا؛ لأنه مفعول. فهذا مجاز والأول الوجه" [3] .

والظاهر من كلام المبرد أن القضية اختيارية وأحسب أن القضية متعلقة بالمعنى والدلالة التي يراد إيصالها، فإسناد الفعل إلى أحد المفعولين الهدف منه الإخبار عن اتصافه بالفعل، ولذلك يسند إلى ما يراد اتصافه بذلك دون الآخر. وربما تقتضي الدلالة الإسناد إلى أحدهما على نحو إجباري؛ ولذلك نجد ابن السراج يشترط عدم اللبس على السامع، فلا يجوز في أُعطِيَ زيدٌ عمرًا، وزيد هو الآخذ أن يقال: أُعطي عمرٌو زيدًا، لأن كل واحد منهما يجوز أن يأخذ الثاني بخلاف الدرهم وما أشبه [4] .

وكذلك يجوز إقامة المنصوب على نزع الخافض (المفعول غير المباشر) مع وجود المفعول المباشر قال المبرد"ومن قال هذا قال أدخل القبر زيدًا" [5] .

ويبدو أن بعض النحويين إنما يفضلون الإسناد إلى ما هو فاعل في المعنى أو هو مفعول مباشر على نحو ما رأينا عند المبرد وابن السرج، وعلى نحو ما صرح بذلك الزمخشرى [6] ، أما عند ابن عصفور فإنه إن كان أحد المفعولين مسرّحًا لفظًا وتقديرًا والآخر مسرّحًا لفظًا (منصوبًا على نَزع الخافض) فإنه لا يجوز إنابة سوى المسرح لفظًا وتقديرًا، فلا تقول في: (أمرت زيدًا الخيرَ) أُمِرَ زيدًا الخيرُ [7] .

أما المفعولان من باب (ظن وعلم) فمنع نيابة الثاني الزمخشري [8] ، وأجاز ابن عصفور نيابة أي منهما واختار الأول [9] ، واتفقا على منع إقامة الثالث من مفاعيل (أعلم) [10] ، وزاد ابن عصفور أن من الناس من أجاز إقامة كل واحد من المفعولات الثلاثة [11] . فإن لم يكن للفعل مفعولًا مباشرًا (مسرّحًا على مصطلح ابن عصفور) واجتمع المصدر وظرف المكان والزمان والمجرور، جاز إقامة أيٍّ منها ولا يجعل بعض النحويين فرقًا بين هذه المفعولات [12] ، ولكن هناك من يجعل لبعضها الأولوية فالمبرد يذكر أن الأولى بالنيابة، ولذلك لا يجيز إنابة المصدر أو الظروف إلا إذا كان ثمة ما يمنع إنابة المجرورن وذلك نحو: سِير بزيد سيرٌ شديدٌ وضُرب بزيد عشرون سوطًا. المعنى: بسبب زيد ومن أجله. بل يذهب إلى أبعد من ذلك وهو أنه يجوز إسناد الفعل إلى المصدر المفهوم من لفظه فتقول مثلًا: سير بزيد فرسخًا على إضمار (السير) لدلالة (سير) عليه [13] .

والجر لا يمنع المجرور من النيابة، قال المبرد:"وجائز أن تقيم المجرور مع المصدر والظروف مقام الفاعل، فتقول: سير بزيد فرسخًا، فلا يمنعه حرف الجر من أن يكون فاعلًا كما قال ما من أحد" [14] .

ويعدل عن المجرور أيضًا إذا جعل المصدر أو الظروف مفعولات على السعة والسبب انشغال المجرور بحرف الجر [15] ، وكذلك إذا كان المصدر مختصًّا قال المبرد:"فإن وصفته فقلت: سيرًا شديدًا أو هيِّنًا، فالوجه الرفع، لأنك لما نعته قربته من الأسماء، وحدثت به فائدة لم تكن في سير" [16] بخلاف المصدر غير المختص فالوجه معه النصب"لأنك لم تفد بقولك (سيرًا) شيئًا لم يكن في سير أكثر من التوكيد" [17] ، ومثل المصدر المختص الظروف قال المبرد:"والظروف بهذه المنْزلة. لو قلت: سير بزيد مكانًا أو يومًا -لكان الوجه النصب. فإن قلت: يوم كذا، أو يومًا طيّبًا، أو مكانًا بعيدًا- اختير الرفع لما ذكرت لك" [18] .

واختصر ابن عصفور القضية فذهب إلى أن المصدر المختص أولى بالنيابة لأن الفعل يتعدى إلى المصدر بنفسه وإلى المجرور بحرف جر، وإلى الظرف بتقدير (في) [19] .

(1) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 536 - 537.

(2) الزمخشري، المفصل، ص 259.

(3) المبرد، المقتضب، 4: 51. وانظر الأصول في النحو لابن السراج، 1: 88.

(4) ابن السراج، الأصول في النحو، 1: 89.

(5) المبرد، المقتضب، 4: 51.

(6) الزمخشري، المفصل، ص 259.

(7) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 538.

(8) الزمخشري، المفصل، ص 259.

(9) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 538.

(10) الزمخشري، المفصل، ص 259. ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 538.

(11) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 538.

(12) ابن جني، اللمع، ص 34. السيرافي، شرح الكتاب، 3: 280.

(13) المبرد، المقتضب، 4: 51.

(14) المبرد، المقتضب، 4: 52.

(15) المبرد، المقتضب، 4: 52.

(16) المبرد، المقتضب، 4: 53.

(17) المبرد، المقتضب، 4: 53.

(18) المبرد، المقتضب، 4: 53.

(19) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 539.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت