فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 173

قد تلجأ بعض الدول والمجتمعات إلى حصر البيع في أناس مخصوصين بالنسبة لبعض المواد أو بعض الظروف والأحوال، بصرف النظر عن حصول ذلك بحق لفائدة المستهلكين، أو حصوله استبدادًا وتحكمًا واستغلالًا. ومثل هذه الحالة قد تمكن البائعين الذين قصر عليهم البيع من رقاب المشترين، وقد عالج ابن تيمية - رحمه الله - مثل هذه الحالة بقوله:

(( ... وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا ألا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون، لا تباع تلك السلع إلا لهم ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع ... ، فهنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل ... ، فالتسعير في هذا واجب بلا نزاع ... ) ) [1] .

وهذه الحالة تشبه حالة الاحتكار، إلا أن الفارق هو جواز ترخيص الدولة لجهة معينة أو لفرد معين بالاستئثار بإنتاج أو توزيع مادة أو سلعة معينة، وفي مثل هذه الحالة يتعين على الدولة أن تضع تسعيرًا جبريًا لهذه المادة أو السلعة.

د - حالة التواطؤ:

وهذه حالة مزدوجة تتمثل في تواطؤ البائعين وتآمرهم على المشترين بالبيع بسعر معين يتحقق لهم فيه ربح فاحش، أو على العكس قد يتواطأ المشترون على أن يشتركوا فيما أحدهم حتى يهضموا حق البائعين.

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله:

(( ولهذا منع غير واحد من الفقهاء كأبي حنيفة وأصحابه القُسَّام الذين يقتسمون العقار وغيره بالأجرة أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركوا والناس محتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجر، فمنع البائعين الذين تواطأوا على ألا يبيعوا إلا بثمن قدَّرُوه أَوْلى، وكذلك منع المشترين إذا تواطأوا على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى ... ) ) [2] .

وكذلك في الصورة العكسية وهي تواطؤ المشترين إضرارًا بأرباب السلع، يجب فرض التسعير عليهم دفعًا للضرر، فالدولة الإسلامية لا تترك أحدًا يجحف بحق أحد.

وتذكرنا هذه الحالة التي وصفها ابن تيمية - رحمه الله - بحالة معروفة في العصر الحديث باسم (( الكارتل ) ) [3] وفي حكمها كذلك تآمر الشركات المنتجة المعروفة باسم (( الترست ) ) [4] .

لذا يقول الدكتور/ محمد أحمد الصالح:

(( والقاعدة العامة في الحالات التي يجب فيها التسعير أنه كلما استولى على التجار الجشع، وتمكن من نفوسهم الطمع، وسيطرت عليهم الأنانية، وعمدوا إلى الاحتكار والاستغلال، تعيَّن على ولي الأمر التدخل بتحديد الأسعار ) ) [5] .

الاستعانة بأهل الخبرة في التسعير:

حتى يتمكن ولي الأمر من تحديد سعر مناسب لا يكون فيه ظلم لأحد الطرفين: البائع والمشتري، لا بد أن يستعين في ذلك بأهل السوق من التجار، وبأهل الخبرة في هذا الشأن كرجال الاقتصاد.

وفي هذا الشأن يقول ابن تيمية - رحمه الله:

(( وأما صفة ذلك عند من جوَّزه، فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء - المراد تسعيره - ويحضر غيرهم، استظهارًا على صدقهم.

فيسألهم: كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد، حتى يرضوا ولا يجبرون على التسعير، ولكن عن رضا.

قال: وعلى هذا أجازه من أجازه. قال أبو الوليد، ووجه ذلك، أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم ولا يكون فيه إجحاف بالناس. وإذا سُعِّر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه، أدَّى ذلك إلى فساد الأسعار، وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال الناس [6] .

(1) الحسبة - ص 40.

(2) الحسبة - ص 42.

(3) الكارتل: مجرد اتفاق بين عدة مشروعات مستقلة يرمي إلى تضييق نطاق المنافسة بينهما.

(4) الترست: مشروع ضخم ينشأ من ابتلاع مشروع كبير لعدد من المشروعات المتوسطة والصغيرة، أو عن اندماج عدة مشروعات كبيرة بحيث تكون مشروعًا واحدًا.

(5) مجلة البحوث الإسلامية - الرياض - ع4 - ص 231.

(6) الحسبة - ص 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت