ثم يقول: (( إنه على كل واحد من هؤلاء، أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين، والمقرئين والمعلمين، وأمير الحاج، والبرد [1] ، والعيون الذين هم القصاد، وخزان الأموال، وحراس الحصون، والحدادين الذين هم البوابون على الحصون والمدائن، ونقبا العساكر الكبار والصغار، وعرفاء القبائل والأسواق ورؤساء القرى الذين هم الدهاقين [2] .
ثم يقول: (( فيجب على كل من ولي شيئًا من أمر المسلمين، من هؤلاء وغيرهم، أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع، أصلح من يقدر عليه ) ) [3] .
ويضيف ابن تيمية - رحمه الله - أنه يجب ألا يقدم طالب الوظيفة لأنه طلبها، بل تعطى له حينما يكون كفؤًا لذلك، إذ يقول: (( ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية، أو سبق في الطلب. بل ذلك سبب المنع، فإن في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أن قومًا دخلوا عليه فسألوه ولاية، فقال: إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه ) ).
وقال لعبدالرحمن بن سمرة: يا عبدالرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة [4] ، أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها )) [5] .
ويقول ابن تيمية - رحمه الله:
(( فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة أو صداقة أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية والتركية [6] والرومية، أو الرشوة بأخذها منه من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب. أو لضغن [7] في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [8] .
(1) البرد: جمع بريد - من ينقل الرسائل ونحوها إلى المدن والقرى.
(2) الدهاقين: جمع دهقان: يطلق على رئيس القرية، وعلى التاجر، وعلى من له مال وعقار.
(3) السياسة - ص 8.
(4) مسألة: طلب وسؤال.
(5) السياسة، ص 8. والحديث أخرجاه في الصحيحين.
(6) تأمل كيف يسوي الإسلام بين سائر الناس ولا يفرق بينهم بسبب اللون أو الجنس أو نحوهما.
(7) ضغن: حقد.
(8) الآيتان (27، 28) من سورة الأنفال.