الصفحة 11 من 108

وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [1] . {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [2] {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [3] .

وما خلق الله الإنسان على هذا النحو، وسخر له الكون على هذا النحو، وأرشد في كتابه إلى هذا الخلق وهذا التسخير، ثم يرضى منه بعد ذلك أن يعطل قواه التي منحه إياها، ويعطل أسراره التي أودعها في خلقه، ويهمل إرشاداته وينحاز بكل ذلك إلى زاوية أو كهف، منقطعًا عن الدنيا التي جعله الله خليفة فيها، يعمرها وينميها، ويجعلها مظهرًا لرحمته بعباده.

والحق أن لهو الحياة ولعبها ليسا كما يفهم أرباب هذا المسلك ينصبان على ذات الحياة باعتبار ما فيها من خير ونفع للعباد، وما لها من دلالة على قدرة الله ورحمته بعباده؛ وإنما ينصبان على من يتخذ نعم الله فيها سبيلًا لشهوته وهواه، يدنس بهما نفسه، ويميت بهما قلبه.

والحق أن عبادة الله التي خلق لأجلها الجن والإنس، لم يكن سبيلها في هذه الحياة التبتل والانقطاع عن الدنيا، إنما سبيلها، تحقيق إرادة الله في كونه عن طريق العمل في عمارة الكون، وإظهار أسرار الله الدالة على عظمته ووحدانيته، واستحقاقه وحده للعبادة والتقديس.

وهكذا يجب أن يفهم الناس أن الله لا يرضى من عباده أن يزهدوا في الدنيا هذا الزهد العام المطلق وأن ينقطعوا في الصوامع والبيع والمساجد لعبادته ومناجاته. فهو يناجى في الحقل، ويناجى في المصنع، ويناجى في المتجر، ويناجى في المجتمع، وكل تلك، مناجاة يسمعها الله، ويتقرب بها العبد لله.

وإذن فواجب المصلحين والوعاظ المرشدين أن يبذلوا جهودهم في تصفية النفوس من بقايا هذه الفكرة، وأن ينتزعوا منها تلكم العقد النفسية التي توارثها بعض الناس؛ أثرًا للفهم الفاسد في حقارة الدنيا، والعزوف عنها وعن العمل فيها، هذا العزوف الذي نسجوا به كلمات التزموها، وعطلوا بها أنفسهم والناس عن الكد والعمل، التماسًا للرزق من السماء، ينزل عليهم وهم نائمون باسم الدين والتعبد. وأصبحوا هم ومن ينحو نحوهم عالة على المجتمع، ولبنات هزيلة في بنائه، لا يلبث معها أن ينهار.

(1) النحل: 10، 11.

(2) النحل: 14.

(3) الملك: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت