جرت سنة المسلمين - بعد قرونها الأولى - أن يحتفلوا - في شهر ربيع الأول من كل عام - بذكرى ميلاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وكان لهم في الاحتفال بهذه الذكرى أساليب تختلف باختلاف البيئات والبلدان.
فمنهم من يحتفل بتهيئة طعام خاص لا يألفونه في مجرى عادتهم الغالبة تتناوله الأسر في ليلة الثاني عشر من الشهر، فرحة مسرورة حول مائدة واحدة وتلك ذكراهم لميلاد الرسول.
ومنهم من يحتفل بأصناف من الحلوى ذات أشكال وصور مخصوصة، يصنعها الباعة لتلك المناسبة، ويضعونها منسقة منظمة أمام حوانيتهم التماسًا للرواج والربح، وتلك ذكراهم لميلاد الرسول.
ومنهم من يحتفل بالدعوة إلى اجتماعات تفتح بتلاوة آي من الذكر الحكيم، وكثيرًا ما يتحرى القارئ الآيات التي تعرض لذكرى الرسول باسمه أو صفته، ولعلك تسمع في الليلة الواحدة أكثر من قارئ يقرأ قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ .. الآيات} [1] ثم تتلى قصة المولد الشريف بما أودع فيها من الأوصاف الخلقية، والأوضاع التي كان عليها وقت ولادته عليه الصلاة والسلام، وتلك ذكراهم لميلاد الرسول.
وتعنى بعد هؤلاء وهؤلاء أقلام الكتاب وألسنة المتحدثين بالمقالات والأحاديث، ينشرونها ويذيعونها على الناس، يذكرونهم فيها بعظمة محمد في شمائله التي فطر عليها، وعرف بها في أهله وبين قومه.
يوم أن كان غلامًا يرعى الغنم، ويعزف بنفسه عما يألفه أقرانه من مجالس اللهو واللعب.
ويوم أن كان شابًا جلدًا يحضر مع أعمامه حرب الفجار وحلف الفضول.
ويوم أن كان رجلًا، مكتملًا وافر العقل، يرضاه قومه حكمًا في النزاع يشجر بينهم.
ويوم أن كان ملتهب الفطرة في صلته بالله، فيفر من ظلمة الدنيا وجهالتها إلى التحنث والأنس بنور الإيمان الفطري.
ويوم أن كان مشفقًا على قومه من جهلهم بالله، وانغماسهم في الشهوة والهوى، لا يدري كيف يهديهم.
ويوم أن كان هاديًا مرشدًا، يتعهدهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويبشر من أجاب، وينذر من أبى.
ويوم أن كان محتملًا مكائد قومه، صبورًا على إيذائهم، يستعذب العذاب في سبيل دعوته.
(1) الأحزاب: 40.