الصفحة 42 من 108

قلنا في الحديث السابق، إن الإسلام لم يقف في تكوين المجتمع عند ما تقضي به طبيعة الأفراد من حاجة بعضهم إلى بعض في ضروريات الحياة ولوازمها المتعددة المتباينة والتي لا يستطيع الفرد الواحد أن يحققها لنفسه وإنما ربط بينهم فوق ذلك برباط العقيدة والإيمان الموحد لقلوبهم في الاتجاه والشعور والإحساس، وجعل [الأخوة الدينية] عنوانًا لذلك الترابط ليكون مبدأ التعاون نابعًا من القلب الذي هو محل العقيدة والإيمان، فيكون له من القوة والأثر ما لها فيثمر ثمرته ويحقق غايته.

إن أقرب لوازم الأخوة، التضامن الاجتماعي، فهو أول ما توحي به، وأول ما تقتضيه، ولهذا التضامن شعبتان: شعبة أدبية أساسها من أحد الجانبين، التوجيه إلى الخير والنصح والإرشاد، والإخلاص في الرأي والمشورة، ومن الجانب الآخر، الاستماع والتقبل والامتثال وقد سقنا شواهد ذلك كله من القرآن وأحاديث الرسول عليه السلام.

أما الشعبة الثانية للتضامن فهي الشعبة المادية، وأساسها سد حاجة المعوزين وتفريج كرب المكروبين، والمعونة في تحقيق المصالح العامة التي تنهض بحياة الجماعة، ويعم خيرها الأفراد على حد سواء.

وقد رأيت تمهيدًا لمنهج القرآن في التضامن المادي، أن أقدم بهذا الحديث كلمة وجيزة عن قيمة المال ووضعه في نظر الإسلام وذلك أن المال هو الوسيلة الوحيدة والأداة الفعالة للتضامن المادي، وهو أقوى العناصر التي لا بد منها في قيام الحياة العملية.

وليس من ريب في أن كل ما تتوقف عليه الحياة، في أصلها وكمالها، وسعادتها وعزها، من علم وصحة وقوة واتساع عمران وسلطان لا سبيل إليه إلا بالمال، وقد نظر القرآن الكريم إلى الأموال هذه النظرة الواقعية، فوصفها بأنها زينة الحياة، وسوى في ذلك بينها وبين الأبناء، ووصفها بأنها قوام للناس، وقوام الشيء ما به يحفظ ويستقيم، وهي - كما نرى - قوام المعاش والمصالح الخاصة والعامة، ولما كان الإسلام دينًا عمليًا، ينظم بأحكامه - على أساس من الواقع - مقتضيات الحياة ويزاوج في الوقت نفسه بين مطالب الروح والجسم بميزان العدل والاستقامة، وقد رسم للروح طريق سعادتها، كان من الضروري أن يرسم أيضًا للمادة طريق سعادتها، ويأمر بتحصيل ما فيه خيرها ونفعها، ومن هنا أمر بتحصيل الأموال من طرق، فيها الخير للناس، فيها النشاط والعمل، فيها عمارة الكون، والتقلب في الأرض، فيها الاختلاط والتعارف والتعاون والمبادلة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت