أساليب القرآن في الدعوة
إلى الإنفاق في سبيل الله
رسم الإسلام طريق الحياة القويمة للمجتمع المثالي الفاضل، إذ أقامه على مبدأ الضمان الاجتماعي الذي به تحيا الأمة ويقوى المجتمع.
وفي سبيل ذلك المبدأ، أسعل من نفوس المالكين، أرباب الأموال خلال الشح والإسراف والترف، وكان للقرآن بعد ذلك من أساليب الترغيب في البذل والترهيب من البخل، وإهمال حق الفقير والمجتمع، ما يملأ قلب المؤمن بمبدأ التضحية، وأنها سبيل الله في بناء المجتمع، بناء يكفل للإنسانية سعادة الأولى والآخرة.
وأن أول ما يطالعنا من تلك الأساليب في القرآن الكريم، هو أننا لا نكاد نجد فيه ذكرًا للإيمان بالله، إلا مقرونًا بالإنفاق في سبيله، وإطعام البائس الفقير، فسورة البقرة تبدأ ببيان أوصاف المتقين الذين ينتفعون بالقرآن وهديه ويكون منها: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [1] .
ثم تعرض لأصول البر الذي يطلبه الله من العباد، ويكون منها بعد الإيمان {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ} [2] .
ويجعل ذلك من دلائل الصدق في الإيمان والتقوى.
وسورة الأنفال تذكر مقومات الإيمان، ويكون منها بعد وجل القلوب من ذكر الله، وزيادة الإيمان بآياته: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [3] وتقول: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [4] .
ونرى سورتي النساء والحجرات تذكران الإيمان، ولا تذكران معه سوى الإنفاق في سبيل الله: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} [5] ، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [6] .
(1) البقرة: 3.
(2) البقرة: 177.
(3) الأنفال: 3.
(4) الأنفال: 4.
(5) النساء: 39.
(6) الحجرات: 15.