الصفحة 13 من 108

استعرضنا الأوضاع التي يمكن أن تكون عليها علاقة الفرد بالحياة، وفرضنا لها الفروض الممكنة، وتحدثنا عن الفرض الأول منها وهو أن تكون علاقته بالحياة، علاقة الضرورة والكفاف الذي يقيم الأود، ويحفظ للإنسان حياته الشخصية، فيعتزل الناس والعمل، ويتبتل بصومه وعبادته الروحية، وأشرنا إلى إلى الحجج الموهومة التي استند إليها الذين ابتدعوا هذا الفرض؛ وزعموا أنه الدين أو من الدين، ودعوا إليه وحثوا عليه، وكان من ذلك آيات من القرآن الكريم، حرفوها عن مواضعها، وصرفوها عن مقاصدها، وبشعوا بها الدنيا في نظر الناس، واتخذوها بفهمهم المنحرف أساسًا للإعراض عنها، وعن العمل فيها بما تقتضيه منح الله للإنسان وسننه في الحياة وكان منها أيضًا أحاديث لم تحرر الرواية في أكثرها، وإنما وضعت أو قيلت في عصور خاصة، على ألسنة خاصة، لغرض خاص، هو صرف المسلمين عن العمل الجاد المعمر. وأحاديث تحررت روايتها، ولكن حرفت عن معناها الصحيح، كما حرفت الآيات.

أشرنا إلى تلك الحجج، وقفينا عليها بالنقض، وبيان الخطأ في شرحها، وأنها سيقت لتركيز فرض آخر غير الذي يعملون على تركيزها، وصرف الناس به عن الحياة وأن الإسلام يأبى كل الإباء أن تكون علاقة الإنسان بالحياة على هذا النحو الذي حاول هذا الفريق غرسه في النفوس، وليس له من نتيجة سوى حرمان الإنسان من أسرار الكون، وحرمان أسرار الكون من قوى الإظهار والكشف والانتفاع بها فيما أعدت له بمقتضى الخلق والتكوين، وهو بالتالي يسلب الجماعة الإسلامية، عز الحياة وسلطانها، بينما يضع غيرها يدهم عليها.

ويكون لهم فيها السلطان النافذ، والكلمة المسموعة، والقوة المرهوبة، بما يحصلون عليه من آثار العلم الكوني، والعمل المنتج، والتدبير المنظم، وإني لأعتقد أن من أهم الأسباب التي تأثر بها المسلمون، ركبهم عن ركب العالم، شيوع أن الإسلام يعتبر الدنيا، والحرص عليها، والكد في تحصيلها، نقصًا في التدين، وأن كمال الدنيا إنما هو في التخفف منها والزهد فيها. وقد أدى ذلك إلى فهم الدنيا على غير وجهها، وانتشرت البطالة بين الناس باسم الدين وكمال الإيمان، ولا بد للتخلص من آثار هذه الفكرة من عرض النصوص القرآنية والنبوية الواردة في شأن الدنيا، عرضًا سليمًا، يبعث على العمل والتعمير وبالتالي يهيئ لجماعة المسلمين وسائل العزة والسيادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت