إن الإسلام مع شدة حرصه على تقرر مبدأ الإنفاق في سبيل الله، لم يرد منه مجرد الإنفاق والبذل بإخراج الغني بعض ماله لغيره أيًا كان ذلك الغير، وإنما أراد بالإنفاق الذي قرره على أغنياء المسلمين ما يحقق الضمان الاجتماعي بين الأغنياء وأرباب الحقوق عليهم، وذوي الفقر والحاجة الذين لم يكن لديهم قوة عملية يدفعون بها حاجتهم، وينقذون أنفسهم من مخالب الفقر، المذلة للنفوس، المضيعة للكرامات.
ومن هنا رسم للإنفاق دوائره التي ينبغي أن يتجه إليها به، رسم دائرة الأهل والأقارب {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} [1] ، {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [2] ، {وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [3] ، {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [4] ورسم دائرة الفقراء والمساكين، الذين لا يجدون ولا يقدرون على أن يعملوا {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [5] {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ} [6] {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [7] .
ورسم بكلمة {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [8] دائرة الإنفاق في المصالح العامة والمشروعات الجماعية، وفي أوائلها المصانع الحربية، والمستشفيات العلاجية، والمعاهد العلمية، وما إلى ذلك مما يحقق للمجتمع حاجته في حفظ كيانه وحفظ صحته، وعقله وثقافته.
ولا يكاد يشتبه أحد في تحديد دائرة أهله وأقاربه، ولا في تحديد دائرة المشروعات النافعة، فهما دائرتان واضحتان لا لبس فيهما ولا خفاء.
نعم يقع الاشتباه عند كثير من الناس في دائرة الفقر والمسكنة هذه الدائرة التي يتزيا بزي أهلها الحقيقيين كثير من المحترفين، سولت لهم نفوسهم البطالة، فمدوا أيديهم بالسؤال، واتخذوا مشروعية
(1) البقرة: 177.
(2) الأنفال: 75.
(3) الإسراء: 26.
(4) النساء: 36.
(5) الماعون: 3.
(6) البقرة: 177.
(7) المدثر: 44.
(8) التوبة: 60.