كلف الله عباده بعقائد تتصل به سبحانه وبرسالاته وكتبه إليهم، وتتصل باليوم الآخر الذي أعده لدار الجزاء، وكلفهم أيضًا بعبادات: هي غذاء لهذا الإيمان، وعلامة على الصدق فيه، وحرم عليهم أشياء صونًا لحياتهم وحفظًا لعقولهم وأعراضهم وأخلاقهم، وقد فصل لهم في كتبه ورسالاته ما كلفهم به وما حرمه عليهم وكان مجموع ما فصل وبين على الوجه الذي بين وفصل هو الدين الذي تعبدهم به، ولا يقبل منهم سواه.
وكان امتثاله والقيام به على الوجه المبين في الكتب الإلهية وعلى ألسنة الرسل، هو التدين الصادق، الذي يقف بصاحبه في العقيدة والعبادة، والحل والحرمة عند حد ما شرع الله وبين، وكان التصرف في شيء منه، هو الانحراف عن دين الله وهو الابتداع فيه.
ومن هنا يعلم أن الابتداع في الدين، إنما يكون فيما تعبدنا الله به من عقيدة أو عبادة، أو حل وحرمة.
أما ما لم يتعبدنا الله بشيء منه، وإنما فوض لنا الأمر فيه باختيار ما نراه موافقًا لمصلحتنا ومحققًا لخيرنا بحسب العصور والبيئات، فإن التصرف فيه بالتنظيم أو التغيير لا يكون من الابتداع الذي يؤثر على تدين الإنسان، وعلاقته بربه، بل إن الابتداع فيه من مقتضيات التطور الزمني الذي لا يسمح بالوقوف عند حد الموروث من وسائل الحياة عن الآباء والأجداد.
وإذا كان لحياة الأبناء والأحفاد وسائل غير وسائل الحياة لأسلافهم، كان من ضرورة بقائهم، وطيب حياتهم، ومسايرتهم للتقدم الزمني، أن يخلعوا وسائل الأسلاف التي لا تتفق وزمنهم، ويعملوا جاهدين في تلبية عصورهم بما تطلبه وتقضي به، وإلا تخلفوا عن الركب المجد في السير، وانقطع حبل اتصالهم به، وصاروا في عزلة لا يسمع لهم فيها صوت، ولا يعرف لهم فيها وجود.
ولو كان من سنة الله في تعبده لعباده، أن يقيدوا في هذا الجانب بمنهج خاص، لحدد لهم أرض الزراعة وأنواعها وطرقها، ولحدد لهم نوعًا أو أنواعًا من الصناعات ووسائلها، ولحدد لهم نوعًا من القوة التي أمرهم بإعدادها وأطلقها إطلاقًا، ولحدد لهم نوعًا أو نوعين من مظاهر الحضارة المختلفة، التي يعلم أنها ستكثر وتنتشر، وتأخذ أطراف العالم، ولكنه سبحانه وتعالى لم يحدد لعباده شيئًا من ذلك، بل أطلق