الصفحة 100 من 108

إن نتائج مولد الرسول وما اتصل به من الإعداد الإلهي لتحمل رسالة الله رب العالمين، يعرفها كل من يعرف حال العالم في الفترة التي سبقت الميلاد، ويعرف ما تضمنته الرسالة من جهات الهداية والإرشاد، التي أخذت تحول العالم رويدًا رويدًا من مجاري الشر والشقاء، إلى سبيل الخير والسعادة؛ حتى استقرت كلمة الحق، وجعلت تعمل عملها في أنحاء الكرة الأرضية.

وليس من شك في أن حال العالم في الفترة السابقة، قد خرجت بالإنسان عن وضعه في صحيفة الترتيب الكوني.

فهو بالنسبة إلى الله، أنكر ألوهيته، أو أشرك غيره معه في العبادة والتقديس، والخضوع والاستعانة، واشتط في ذلك حتى عبد ما لا يسمع ولا يبصر، وخضع للأوهام والخرافات.

وهو بالنسبة إلى نفسه، قد أسلم قيادها للشهوة والهوى؛ وعميت عليه الفضائل، فعبث بالأعراض، وعبث بالعقول، وعبث بالأرواح.

وبالنسبة إلى أسرته وأد ابنته، لا لشيء سوى أنها أنثى، وقتل ولده، لا لشيء، سوى أنه لم ينل حظًا من المال والغنى، وعضل اليتيمة وأكل حقها، لا لشيء سوى أنها فقدت أباها الذي يرعاها، وضار الزوجة، لا لشيء سوى أنه مكن منها، وسلط عليها، وأخيرًا ورث زوجة أبيه أو أخيه كرهًا كمتاع تركاه.

وبالنسبة إلى المجتمع أفسد جزئيته له، وقطع صلته به، وحكم في روابطه القوة الغاشمة، والجبروت والطغيان وبذلك انتزعت الرحمة من قلبه، وصار لا يعني إلا بوسائل القسوة والتسخير، والتحكم في العقائد والأخلاق والاجتماع.

وأمام هذا المصير الذي انقلب إليه الإنسان، وصارت به الحياة جحيمًا لا يطاق، تطلع الروح العالمي الفطري من وراء حجب الغيب إلى مصدر الخلق والإيجاد؛ مصدر الهداية والإنقاذ، فاستمع إليه وهو السميع العليم ونظر إليه وهو الرءوف الرحيم.

وفي هذه الآونة، سرت بشرى الإنقاذ بمولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ فاهتز لها باطن العالم؛ واشرأب الروح الفطري إلى السماء، يقلب وجهه في آفاقها، وما هي إلا فترة النمو والإعداد، حتى وافت الإنسان رسالة السماء تدعوه إلى الخير وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وتخرجه من الظلمات إلى النور، وتبصره بمكانته من الله وبواجبه في الحياة، وترده إلى دائرة الروح الفطري، دائرة النقاء والصفاء {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [1] .

هدته إلى التي هي أقوم: في علاقته بخالقه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بأسرته، وعلاقته بمجتمعه. هدته إلى كل ذلك بأسلوب أساسه التوجيه إلى الخلوة بالفطرة النقية التي لم تدنس والتي ضرعت إلى ربها تلتمس الهداية والإنقاذ، ليجد منها العون والنصير على تقبل هذه الهداية، والانتفاع بها في استعادة الإنسانية والسير بها في طريق الغاية التي خلقت لأجلها، وعلى أساس من الإيمان بخالق القوى والقدر، مصدر التوفيق والهداية {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [2] .

وليس لنا من سبيل إلى الكتابة عن كل نتائج هذا الميلاد وآثاره القيمة التي عادت بالخير والبركة على العالم كله، حتى على من لم يؤمن بها، أثارت على روحه الباطني نفحات وجه بها نفسه وقومه في الحياة وإن كانوا لا يشعرون أو يشعرون ولا ينطقون.

ذلك أن من أبرز هذه النتائج وأولاها، مبدأ أن «المخلوق» لا يخضع لمخلوق مثله، يعبده ويقدسه، ويتخذه صمدًا له في الحياة. وبالتالي يكون لأمره ولرأيه عنده، قوة تملك عليه قلبه؛ ولا يستطيع مناقشته، ولا إبداء رأي يخالفه.

والقرآن قرر هذا المبدأ وربط في كثير من آياته الواضحة وحدانية الألوهية والخضوع، بوحدانية الربوبية والإنعام وأرشد إلى أن الألوهية والعبودية، ليست لغير الرب الخالق؛ المنعم {الحمدلله رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [3] {الحمدلله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [4] {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [5] . قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ

(1) الإسراء: 9.

(2) آل عمران: 164.

(3) الفاتحة: 2 - 5.

(4) الأنعام: 1.

(5) الأنعام: 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت