لم يخلق الإنسان في هذه الحياة ليعبث أو ليلهو، ولم يخلق ليطغى بقوته وجبروته ويستبد قويه بضعيفه، وإنما خلق وركب فيه ما ركب من قوى العلم والإدراك وآلات العمل والإنتاج، وسخر له الكون في أرضه وسمائه، ومائه وهوائه لحكمة سامية تعبر عن جلال الله وجماله، وهي أن يكون خليفة في الأرض، يعمرها ويعمل على إصلاحها، واتساع عمرانها، وإظهار أسرار الله فيها، وإقرار الخير والسعادة في نواحيها، وبذلك تكون مظهرًا لرحمة الله بعباده، وآية من آيات قدرته وحكمته.
وقد أرشد إلى هذه الحكمة كثير من آيات القرآن، منها قوله تعالى وهو يحدث عن مبدأ خلق الإنسان: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ: يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [1] .
فتجلت للملائكة حكمة استخلاف الإنسان في الأرض، واعترفوا له بالمكانة التي أعدت له في هذه الحياة، ومن ذلك قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ} [2] . ومن ذلك قوله تعالى: {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [3] . وقوله: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [4] .
وإذا كانت هذه هي مهمة الإنسان في الحياة، وهي حكمة خلقه، وحكمة الإنعام عليه بقوى العلم والعمل، وحكمة تسخير الكون وإخضاعه له في التفكير والتصريف؛ فإنه لا سبيل إلى قيامه بهذه المهمة وتحقيق تلك الحكم إلا إذا تحصن بالعلم ليعرف الخير من الشر، والنافع من الضار، والمعمر من المخرب، وتحصن كذلك بالصحة ليكمل عقله، ويسلم تدبيره، وتتصل جهوده.
(1) البقرة: 30 - 33.
(2) الأنعام: 165.
(3) الحديد: 7.
(4) ص: 26.