الصفحة 35 من 108

تلخص لنا مما سبق المبادئ الآتية:

أن الإسلام نحى الجنسية والإقليمية، والمذهبية الخاصة ونحوها، عن الاعتبارات البشرية عن مكانة الأساس الأول للجماعة الإنسانية، وجعل الأساس في بنائها شيئًا واحدًا هو الاعتصام بمبدأ الخير العام، والرحمة الواسعة، والعدل المطلق، {رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [1] .

هذا المبدأ الذي يدركه الإنسان بفطرته، ويناجيه في خلوته، ويفزع إليه عند مصابه هذا المبدأ الذي تشعر الفطرة بأن نسبة الناس إليه على حد سواء، وأنه لا يرضيه منهم مهما اختلفت طبقاتهم، وتباينت مراكزهم، إلا معرفة الحق والإيمان به، وإلا معرفة الخير وإقراره بين الناس: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [2] ، {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [3] ، {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [4] .

وأن الإسلام أوصد على الإنسان في هذه الحياة أبواب التبتل والزهد، والانقطاع عن الدنيا إلى العبادة الفردية، وأباح له التمتع بطيبات المأكل والمشرب والملبس وما إليها {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [5] ، {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [6] .

وأن الإسلام طالب الإنسان بالعمل، وحذره البطالة والكسل وإراقة ماء الوجه بالسؤال ولا نكاد نجد آية في القرآن تذكر الإيمان إلا وتعطف عليه عمل الصالحات {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [7] ، {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [8] .

ولقد طلب العمل والسعي في تحصيل الرزق والمعاش حتى وقت أداء عبادة الحج، {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [9] ، {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [10] .

وليست «الصالحات» التي يحث الله على عملها، ويقرن الإيمان بها، هي نصوص الصلاة والصوم والتسبيح والتهليل، وما إليها من العبادات الشخصية التي لا يتعدى نفعها إلى غير العامل، وإنما المراد بها كل ما يصلح به المرء نفسه، وأسرته وأمته، فهي من الصلاح لا بمعنى «التقوى والتعبد» كما يفهمها كثير من الناس، وإنما هي من الصلاح الذي يقابل الفساد، ومنه {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [11] ، ومنه {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا} [12] ومنه {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [13] .

ولولا ما دخل على كلمات القرآن العامة من التأويل الخاص لطائفة من الناس، نظرت إلى الحياة بمنظار ضيق، واعتبرت ما أدركته بهذا المنظار مراد الله من الإنسان في الحياة، لولا ذلك لما كنت في حاجة إلى التنبيه عليه، بل لما كنت في حاجة إلى الكتابة في هذا الموضوع رأسًا.

وأن الإسلام حينما حث الإنسان على العمل، وحرضه على تحصيل الأموال، ومتع الحياة الطيبة، لم يترك الكون مغلقًا أمامه بل قلب له صفحاته بآياته، وكشف له غطاءه وأغراه بما فيه من أسرار، وبما سخره له وأخضعه لسلطانه.

أغراه بأصول الثروات التي يحصل عليها لو عمل لها، أغراه بالثروة الحيوانية والنباتية والمائية والجبلية، أغراه بأن سخر له هذا الكون ليخوض غماره، ويحصل على كنوزه ويظفر بخير هذه الثروات، ولكن أترى الإسلام أغرى الإنسان هكذا بالحياة ومتعها، وتركه يولي وجهه شطرها فقط، ويحصر فيها تفكيره فيتلهى بها عن تقوية الجانب الروحي الذي يربطه في تفكيره وأعماله بمبدأ الخير العام، والرحمة الواسعة الذي لا يرضيه إلا الاعتصام، ومراقبته، واستشعار عظمته، وتوخي ما رسم في الحياة؟

(1) الفاتحة: 2، 3.

(2) آل عمران: 101.

(3) البقرة: 138.

(4) العصر.

(5) الأعراف: 32.

(6) المائدة: 93.

(7) البقرة: 277. وهي مكررة في القرآن.

(8) الملك: 15.

(9) البقرة: 198.

(10) الحج: 27، 28.

(11) البقرة: 220.

(12) البقرة: 160.

(13) النساء: 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت