يدخل شهر ربيع الأول ويذكر به المسلمون ميلاد الرسول عليه السلام، فينهضون بحكم العادة إلى الاحتفال بذكراه، فيرفعون الأعلام وينصبون الزينات ويطلقون المدافع وصواريخ الأفراح، ويأكلون الحلوى ذات الأشكال والألوان، ويستمعون إلى قصة الميلاد، كما استمعوا وقرءوا كثيرًا من الأحاديث والمقالات التي دبجها أصحابها في الإرهاصات التي بشرت بميلاده وبعثته، وفي سمو أخلاقه وشريعته ويكون ذلك في أسبوع أو أسبوعين وتنطوي صفحة ربيع، وبانطوائها تطوى صفحة هذه الذكرى الكلامية، ولا يبقى سوى ما ألف الناس سماعه من المؤذن في كلمات الأذان التي لا يرفع لها رأسًا إلا قليل من المسلمين.
أما عقيدة التوحيد وما أصابها من زعزعة وتحلل، وما غشاها من صور التقديس لغير الله!! أما عقيدة البعث، وما صرف الناس عن تمثل رهبته واستحضار آثاره!! أما الأخلاق وقد تغيرت معالمها في النفوس، وانقلبت إلى الجشع والهلع، والنفاق والكذب، والغش والخديعة، والغدر والخيانة، مما أظلم الحياة وباعد بينها وبين صاحب الذكرى وشرعه!!
أما العقل وقد تملكته الأوهام والخرافات، وأخذت تقوده إلى مهاوي الشر والظلال!! أما المجتمع وقد تفككت عراه وذابت لبناته، وانفصمت روابطه الإنسانية الشريفة!! أما الواجبات الدينية والشعائر الخاصة التي تميز الشخصية الإسلامية عما سواها ويغذي بها المسلم إيمانه، ويراقب بها مولاه.
أما كل ذلك فإننا - والأسف يملأ القلب - نرى بعد الهوة بينه وبين المسلمين، نرى انقلابًا عامًا، وتحللًا شاملًا، نرى دعوة إلحادية سافرة، تعمل مأجورة مجاهرة على غزو قلوب النشء الغض، وصرفها إلى المظاهر الفاجرة التي تسوقها إلينا المدنيات الكاذبة باسم الحرية والحضارة، ونرى أصوات الترويج لهذه الدعوة الفاجرة ترتفع من آفاق معاهد التربية والتعليم الإسلامية التي أعدت لتهذيب النشء وتقويم أخلاقه، وصوغه لبنات قوية، بها وعليها يشاد صرح المجتمع المثالي، الذي يعرف حقه وواجبه في الحياة، والذي كان في الرسم القرآني خير مجتمع أخرج للناس.
فهل فكر المسلمون وقد شغلوا أنفسهم بالصور والأقوال في مدى صلتهم بشريعة هذا النبي الكريم التي ختم الله بها رسالاته إلى خلقه، وجعلها عامة خالدة في العالمين؟ هل فكروا في أن مجرد الذكرى الصورية الوقتية لرسول هذه الشريعة يغني عن العمل الدائم والتوجيه المستمر في سبيل إحيائها في النفوس؟ هل فكروا في أن مجرد الانتساب وإجراء كلمة الشهادة على اللسان ينجيهم من خطر المسئولية التقصيرية