الإسلام، هو هداية الله، وتنظيمه لعباده، بعث بتبليغه كل الرسل، وأنزل ببيانه كل الكتب، وما كان الرسل بالنسبة إليه، إلا كبناة بيت واحد، يعد السابق منهم لعمل اللاحق، ويكمل اللاحق منهم عمل السابق، وهكذا أرسل الله رسله تترى على هذا المنهج منهج الإعداد للاحق والتكميل للسابق، وظل الأمر يتدرج حتى وصلت الإنسانية إلى طور الرشد، واستعدت لتلقي النظم القوية في بناء الحياة، بناء يتفق ونمو الإنسانية، وعندئذ، وفي هذه الفترة اكتملت الوسائل الإلهية لميلاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم،
فسرت بميلاد روح النشاط الإنساني، وبدت في جوانب العالم، وفي البيئة التي ولد فيها آيات الإقبال على عهد، تتهيأ فيه الإنسانية لاستقبال الصورة الختامية للهداية الإلهية.
هذه الصورة العامة، التي لم تدع ناحية من نواحي الحياة، ولا جانبًا من جوانب الإنسان إلا عالجته، ووضعت له من المبادئ ما يسمو به إلى أقصى ما قدر له من درجات الكمال، تلكم الصورة الخالدة، التي لا يكشف النضج الإنساني مهما تقدم وارتقى، عن قصور فيها، أو تقصير عما يدفع الإنسان إلى التقدم، فضلًا عما يلبي حاجته في معترك هذه الحياة.
تلكم الصورة العامة الخالدة، التي أخذت من مقتضيات الفطرة الإنسانية هذه الفطرة التي تنطوي على الشعور بالقوة الوحيدة، الغيبية، المحيطة بخصائص ما خلقت، وهذه الفطرة التي ينتظم واقعها مادة: كمالها وسعادتها في التمتع بخير هذا الكون وأسراره وروحًا: كمالها وسعادتها في التمتع بالمعرفة الحقة، وبالإشراق الذي يلحقها من سماء تلك القوة العلمية الحكيمة.
وإنا لا نجد مصدرًا أقدر ولا أوضح في التعبير عن كمال تلك الصورة الختامية للهداية الإلهية من كتابها المعجز الخالد، فهو عن جملتها يقول « {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [1] ويقول: {وَبِالْحَقِّ أَنزلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نزلَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنزلْنَاهُ تَنزيلًا} [2] ، {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [3] .
(1) الإسراء: 9.
(2) الإسراء: 105، 106.
(3) المائدة: 3.