الصفحة 76 من 108

أما من تفصيلها فإنها تنتظم بالاستقراء والتتبع الدقيق أخذًا من مصدرها المقدس، أربع شعب: شعبة القائد، وشعبة الأخلاق، وشعبة المعاملات، والشعبة الرابعة، شعبة الإنسان في الكون، أو شعبة الكون أمام الإنسان.

فشعبة العقيدة، تطلب من الإنسان، الإيمان بمصدر الوجود والخير، وإفراده بالعبادة والتقديس، والدعاء والاستغاثة، وبذلك يعرف الإنسان نفسه، فلا يذل لمخلوق، ولا يخضع لغير الحق، وتطلب الإيمان بيوم الحساب والجزاء، فيجد الإنسان من ضميره وازعًا يرقبه في سره وعلانيته، ويرى الجريمة يرتكبها في خلوته وانفراده كالجريمة يرتكبها في جلوته ومجتمعه، ولا يجد بابًا ينفذ منه إلى الجريمة مهما بعد عن الأنظار، ومهما خلا ونفسه، وتلك خاصة للتشريع الإلهي لو آمن بها المشرعون وركزوها في النفوس لامتلأ العالم أمنًا واستقرارًا.

وتطلب الإيمان بمعرفة طريق الحق الذي ارتضاه الله لعباده، وربط به سعادتهم من الملائكة والكتاب والنبيين، وقد جاءت العبادات، من صلاة، تذكر الإنسان بربه في فترات متعاقبة، وصوم، يغرس فيه خلق الصبر الذي لابد منه في الحياة، وزكاة، يمد بها يد المعونة لأخيه المحتاج، فيتبادلان المحبة؛ وحج، يحيي به مع أخوانه ذكرى المصلحين الأولين الذين اصطفاهم الله لإنقاذ عباده من هوة الضلال والمآثم، جاءت هذه العبادات، دليلًا شاهدًا على صحة العقيدة ومددًا يغذيها ويقويها.

أما شعبة الأخلاق، فهي تطلب من الإنسان، أن يهذب روحه، ويكمل نفسه بمعاني الإنسانية الفاضلة: إخلاص في العمل، وصدق في القول، ووفاء بالعهد، ورحمة وتعاون، وعزيمة وصبر، وقوة في الحق، وما إلى ذلك مما يحفظ للإنسانية مكانتها.

وليس من ريب في أن هاتين الشعبتين، شعبة العقيدة، وشعبة الأخلاق، على حسب ما جاء بهما الإسلام، من أعظم القوى التي ترتكز عليها الإنسانية في رقيها وسعادتها، وليس في واحدة منهما إلا ما يحمل الإنسان على احتمال ما يكره في سبيل رضا الله، وفي سبيل السمو الإنساني لنفسه ولبني جنسه.

وفي ظل هاتين الشعبتين، كان الربانيون، وكان الشهداء وكان الصالحون، وبهاتين الشعبتين، طهر الإسلام القلب الإنساني من الشرك والوثنية التي زعزعت العالم أجيالًا كثيرة، وطهر النفس الإنسانية من الحقد والحسد والنفاق، والجبن والكذب والخيانة، التي كثيرًا ما أفسدت على الناس حياتهم، ومكنت فيهم المظالم والطغيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت