التضامن المادي في نظر الإسلام
الإسلام حينما طلب تحصيل الأموال بالزراعة، والصناعة والتجارة، نظر إلى أن حاجة المجتمع المادية. تتوقف عليها كلها، فإنه كما يحتاج إلى الزراعة في الحصول على المواد الغذائية التي تنبتها الأرض، يحتاج إلى الصناعات المختلفة في شئونه المتعددة: في ملابسه ومساكنه، في آلات الزراعة وتنظيم الطرق، في حفر الأنهار ومد السكك الحديد، في حفظ الكيان والدولة، وما إلى ذلك مما لا سبيل إليه إلا بالصناعات.
ويحتاج أيضًا إلى تبادل الأعيان والمواد الغذائية والمصنوعات مع الأقاليم التي ليست فيها زراعة ولا صناعة، ولا تسعد أمة ولا تسد حاجتها بنفسها، وإذن لا بد من الاحتفاظ بالزراعة والتجارة والصناعة.
ومن هنا قرر علماء الإسلام أن كل مالا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، فتعلمه ووجوده من فروض الكفاية قالوا: ومن ذلك، أصول الصناعات، كالفلاحة والحياكة والخياطة، وما إليها مما هو ضروري، أو كالضروري في المعاملات ويسر الحياة، ودفع الحرج عن الناس، ومعنى أنه من فروض الكفاية، أنه إذا لم يتحقق في الأمة، أثمت الأمة كلها، وأن الإثم لا يرتفع عنها إلا إذا قامت كل طائفة بنوع من هذه الأنواع، وليس من ريب في أن أساس هذه الفرضية، هو العمل على تحقيق المبدأ الإسلامي الذي يوجبه الإسلام على أهله، وهو مبدأ استقلال الجماعة الإسلامية في تحقيق ما تحتاج إليه من الضروريات والحاجات، فيما بينها، وبيد أبنائها دون أن تمد يدها إلى غيرها من الأمم.
وبذلك لا تجد الأمم الأخرى ذات الصناعات والتجارات، سبيلًا إلى التدخل في شئونها، فتظل محتفظة بكيانها وعزتها ونظمها وتقاليدها، وخيرات بلادها، وكثيرًا ما اتخذ هذا التدخل سبيلًا لاشتراك الدول الأجنبية في إدارة البلاد وتنظيمها واستعمارها، استغلالًا لحاجتها في الصناعات والتجارات.
ولا ريب أن هذه الطرق الثلاثة: الزراعة والتجارة والصناعة، وهي الطرق الطبيعية لتحصيل الأموال - عمد الاقتصاد القومي لكل أمة تريد أن تحيا حياة استقلالية، رشيدة عزيزة ومن الضروري عملًا على تركيزها في البلاد، حتمية العمل على تنسيقها تنسيقًا يحقق للأمة هدفها الذي يوجبه الإسلام عليها، والذي يجب أن تحصل عليه وتحتفظ به وتنميه، صونًا لكيانها واستقلالها في سلطانها وإدارتها، وقد أرشدنا تاريخ الاستعمار، أن أهم أسبابه وأول نافذة ينبعث منها إلى الأمة تياره الكريه، وريحه الثقيل، هونقص الأجهزة التي تحقق للأمة كفايتها من هذه العمد الثلاثة.