الصفحة 44 من 108

هذا موقف القرآن بالنسبة للأموال وتحصيلها، وله موقف آخر بالنسبة إلى الانتفاع بها، والمحافظة عليها، قرره بالنهي عن الإسراف فيها، وبالنهي عن الضن بها، وجعل الاعتدال في صرفها من صفات المقربين عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [1] وجعل الإسراف فيها والضن بها عن الحقوق والواجبات مما يوقع في الحسرة والغرامة: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [2] .

والقرآن كما طلب السعي في تحصيل الأموال، وطلب الاعتدال في صرفها، نهى عن تحصيلها بالطرق التي لا خير للناس فيها، وفيها الشر والفساد، نهى عن تحصيلها بطريق الربا الذي يؤخذ استغلالًا لحاجة الضعيف المحتاج، وبطريق السرقة والانتهاب والتسول التي تزعزع الأمن والاستقرار، وبطريق التجارة فيما يفسد العقل والصحة كالخمر والخنزير، وبطريق الميسر والرقص، وبيع الأعراض، من كل ما يفسد الأخلاق، ويعبث بالإنسانية، وبطريق الرشوة التي تذهب بالحقوق والكفايات، وفي هذا وأمثاله يقول القرآن الكريم: {وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [3] .

وعناية الله بالأموال، شرعة قديمة لم يخص بها جيلًا دون جيل، ولا رسالة دون رسالة، وقد قص علينا القرآن أن الله عاقب بعض خلقه الذين عتوا عن أمره فيها، وأكلوا أموال الناس بالباطل: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [4] .

أما بعد:

فهذا هو الوضع القرآني بالنسبة للأموال، في قيمتها وطرق تحصيلها وأسلوب المحافظة عليها، فهل لجماعة المسلمين - وكتاب الله قائم بينهم يؤمنون به ويقدسونه - أن يتبعوا ما أنزل الله فيه بالنسبة لتحصيل الأموال والمحافظة عليها، فتسلم النفوس من الجشع، وتزكوا بالأخلاق الفاضلة، وتطيب لهم الحياة؟

أرجو أن يكون ذلك.

(1) الفرقان: 67.

(2) الإسراء: 29.

(3) البقرة: 188.

(4) النساء: 160، 161.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت