فطر الإنسان على خاصتين، إحداهما الشعور بقوة غيبية مهيمنة عليه، وعلى الكون؛ ذات علم وحكمة، وتدبير وقدرة، هي مصدر الخلق والإيجاد، وهي مصدر التوفيق والهداية.
وكان من حق هذا الشعور النابع من الفطرة، أن يظل حاضرًا في النفس، مستتبعًا آثاره ولوازمه من الإيمان بوحدانية الله، وباستحقاقه وحده العبادة والتقديس، واستجابة أمره ونهيه دون سواه.
ولكن ما ركب في الإنسان من قوى الشهوة وحب الانطلاق مع بواعث الهوى العاجل، أنساه هذا الشعور، وحال بينه وبين التذكر في كثير من أوقاته وشئونه وصار لا يذكره إلا جوابًا عن سؤال مفاجئ، أو التماسًا لتفريج كربة وقع فيها وأحاطت به.
وقد سجل القرآن في كثير من آياته هذه الخاصة للإنسان، وأشار إلى غفلته عنها، وإلى تذكره لها واعترافه بها « {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [1] {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [2] ، {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [3] .
أما الخاصة الثانية للإنسان، فهي إعداده بقوى العقل والإدراك للبحث والنظر، في نفسه وفيما يحيط به من ملكوت السموات والأرض، فينمو شعوره الفطري، ويمتلئ قلبه بنور الإيمان، فيسلك السبيل الواضح الذي لا غموض فيه والتواء، سبيل الأمن والاطمئنان، سبيل الحياة الطيبة، والسعادة النفسية الراضية، ويصل في الوقت نفسه ببحثه ونظره إلى معرفة أسرار هذا الكون، وما أودع فيه من وسائل التقدم، ومواد العمارة لهذه الأرض، التي جعله الله خليفة فيها.
ولكن الأوهام التي كانت تملكه في أوقات غفلته - وما أكثرها - وضعت على عقله حجابًا كثيفًا منعه من التوجه إلى هذا الكون وخوض غماره، وبذلك ربط نفسه بالخرافات والأوهام، فسلب فائدة العقل والإدراك، وانقاد لما لا يسمع ولا يبصر، وظل يدور حول نفسه، لا يعرف في الحياة إلا ما يلبي غرائزه الحيوانية، وميوله النفسية الفاسدة.
(1) الزمر: 28.
(2) العنكبوت: 63.
(3) يونس: 12.