لم ترض الحكمة الإلهية أن يقع الإنسان، وقد كرمه الله، وفضله على كثير من خلقه في هذا المصير الذي أضعف خاصتيه: خاصة الشعور بالإله الخالق، وخاصة البحث والنظر لمعرفة أسرار الكون، والانتفاع بها في الحياة، فتعهدته بالإرشاد، وأنواع الهداية على ألسنة الرسل الكرام.
وكانت خاتمة الإرشاد والهداية، هذه التعاليم التي أوحى الله بها إلى رسوله محمد عليه السلام، خاتم الأنبياء والمرسلين، أوحى بها إليه، وكلفه تبليغها للناس، ودعوتهم إلى التأمل فيها، والإيمان بها، عن طريق النظر والاستدلال في أنفسهم، وفيما يحيط بهم من أرض وسماء، وماء وهواء؛ فأحيا بها في القلوب الشعور الفطري بوجود الخالق ووحدانيته، ثم وجههم بها إلى البحث عما أودع في الكون من مواد الحياة، التي بها تعمر الأرض، والتي يكون العالم بها مظهرًا لرحمة الله بعباده.
وبهذين النوعين من التعاليم المحمدية التي جاءت للناس على فترة من الرسل، عرف الإنسان مركزه من خالقه، فكان له عابدًا مقدسًا، وحامدًا شاكرًا، وعرف مركزه أمام الكون، وكان أمامه باحثًا منقبًا، وبانيًا معمرًا، وقد تضمن القرآن هذين النوعين من التعاليم ونجد النوع الأول بمناهجه المختلفة ماثلًا في أكثر الآيات وقد جاء الثاني كذلك في القرآن بأساليب توحي كلها بالتوجه إلى النظر في الكون، والبحث عن أسراره ومنافعه، ويغري بالتطلع إلى جهات النفع، والحصول عليها، فمن أسلوب يعلن أن الله ما خلق الكون على هذا النحو المملوء بالأسرار، إلا ليصل الإنسان إليها وينتفع بها {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [1] : في ظاهرها وباطنها بأعيانها وبإدراكها وبدلالتها.
ومن أسلوب يؤكد للإنسان أن الله سخر له هذا الكون، وجعله في متناول عقله، وقبضة يده {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [2] ، {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [3] ، {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [4] ، {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [5] ، {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} [6] ، {وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [7] .
(1) البقرة: 29.
(2) لقمان: 21.
(3) النحل: 14.
(4) ص: 36.
(5) سبأ: 10.
(6) سبأ: 12.
(7) الحديد: 25.