الصفحة 91 من 108

ومن أسلوب ينبه إحساس الإنسان إلى التطلع إلى مخلوقات خاصة ذات شأن في الأسرار والمنافع، فيندفع إلى تلمس ما اشتملت عليه، ذلكم الأسلوب هو قسم الله سبحانه بهذه المخلوقات: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [1] . {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا. فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا. فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا} [2] .

ومع ذلك كله يوجه الأنظار إلى جملة من أصول الثروات، التي تكون بها حياة الأمم ونهضتها فيذكر الثروة الحيوانية والنباتية والجبلية، ويمتن على الإنسان بها، ويغريه إلى تحصيلها والانتفاع بها.

بهذا يتضح أن التعاليم المحمدية المائلة في كتاب الله، لم تقتصر في مهمتها للإنسان على إحياء شعوره الفطري بالخالق وعبادته. وإنما أوحت إليه في الجانب الإنساني أيضًا بما يحقق قيمته في الحياة، ويقف به في مركزه أمام الكون.

وبذلك تطابق كتاب الوحي مع كتاب الكون، وصدق كل منهما الآخر، فامتزجت الروحية بالمادية، وكان الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط.

جددت التعاليم عهد الولاء بين الإنسان وخالقه، وردته إلى فطرته، ثم ربطت بينه وبين الكون، وهيأته بهذا الربط لحياة قوية شريفة، وبذلك كانت الدنيا من الدين، وكان الدين من الدنيا.

فجدير بأرباب البحث في الكائنات، الذين نظروا إليها كوحدة منفصلة عن جانب الشعور الفطري بالخالق، جدير بهم أن ينظروا إلى أمية محمد وبيئة الجاهلية التي نشأ فيها، وبين هذه التعاليم المتصلة بالكائنات التي يعرفونها.

جدير بهم أن ينظروا كيف تجري هذه التعاليم على لسان مثل محمد، في أميته وبيئته , وفي زمنه كله جدير بهم أن ينظروا إلى هذا نظرة إنسانية مطلقة من قيود العصبية الغاشمة. وفي اعتقادي أنهم إذا نظروا هذه النظرة لضاقت شقة الخلاف بين بني الإسلام، وآمن الجميع بأنه وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ

(1) الشمس: 1 - 8.

(2) العاديات: 1 - 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت