إذا كان المجتمع كما قلنا: ليس في واقعه إلا الأفراد التي منها يتكون وبها يبنى، وكان كماله من كمالها؛ فإنه من غير الممكن أن يسعد المجتمع مع شقاء الأفراد أو يشقى مع سعادتهم. وكان البحث عما يكوّن الفرد ويكمله هو البحث عما يكوّن المجتمع ويقومه.
وإذن فبنا إلى منهج القرآن في تكوين الفرد، وإذا ما تم لنا رسم ذلك المنهج وأخذنا به الفرد، تم لنا بناء المجتمع كما يحب الله، وكما يسعى إليه المخلصون من عباد الله، وأول ما يطالعنا في تكوين الفرد على الوجه الذي يكون به لبنات قوية في بناء المجتمع المنشود، أمران لابد من توافرهما في الفرد.
أولهما: تحديد علاقته بهذه الحياة الدنيا، حتى يعرف واجبه فيها فيحققه.
ثانيهما: إحياء الشعور في نفسه بالوحدة الإيمانية، والوحدة الوطنية الخاصة، والوحدة الإنسانية العامة.
وبذلك يعرف حق مجتمعه الديني والوطني والإنساني؛ فيقوم به على الوجه الذي تقتضيه شخصيته في بناء هذه المجتمعات.
ونحن إذا استعرضنا أنواع العلاقة التي يمكن أن يتخذها الفرد بالنسبة للحياة الدنيا، والتي اتخذها بالفعل في أجيال الحياة المتعاقبة وجدناها لا تخلو عن واحدة من ثلاث:
علاقة العداء للدنيا، والنظر إليها نظرة احتقار وإعراض، وبذلك يتجه الإنسان بكله إلى تنمية روحه فقط عن طريق الاعتكاف عن العالم، والتبتل للعبادة: يصوم دائمًا ولا يفطر، ويقوم دائمًا ولا ينام، ويزهد فلا يشتهي ولا يتزوج؛ ويظل هكذا مسجونًا في تلك الدائرة الضيقة من معبد أو كهف، حتى يأتيه الموت ويفارق الحياة.
وإذا خوطب من سلك هذا المنهج بالنسبة للحياة، قال: كيف لا أسلكه وأفر به من الدنيا، والله يقول: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [1] . {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [2] . {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [3] . ويقول الرسول «والذي نفسي بيده، للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها» يريد شاة ميتة ألقاها أهلها هوانًا بها ويقول «إن الله عز وجل لم يخلق خلقًا أبغض إليه من الدنيا وأنه منذ خلقها لم ينظر إليها» وهكذا مما ورد وتناقلته ألسن خاصة في ذم الدنيا وحقارتها،
(1) الحديد: 20.
(2) الأنعام: 32.
(3) الذاريات: 56.