الصفحة 8 من 108

هذه الحياة شخصيتين، شخصية مستقلة، يسأل بها عن نفسه؛ في جسمه وعقله وروحه، ثم في عمله وماله وشخصية أخرى يكوّن بها لبنة في بناء المجتمع يسأل بها عما يقدمه لمجتمعه أو يقدمه المجتمع له، وبقدر ما يكون للإنسان من إدراك الحقائق، ومتانة الخلق، وقوة العزيمة والإرادة، وسمو الروح، ونبل الغاية، يكون لمجتمعه من ذلك كله. وبقدر ما يصاب به الإنسان من تسلط الأوهام والخرافات عليه، وانحلال الخلق، وضعف العزيمة والإرادة، وانحطاط الروح، ودناءة الغاية، يكون لمجتمعه من كل ذلك.

وما المجتمع في واقعه إلا الأفراد التي هي لبناته، ومنها يتكون، وما الأفراد في واقعها إلا المجتمع الذي منها تكون؛ فسعادته من سعادتها، وصلاحه من صلاحها، وشقاؤه من شقائها، وفساده من فسادها. وإذن فالبحث عن الأساس الذي عليه يبنى المجتمع، هو بحث عن اللبنات التي منها يتكون.

فإذا ما صيغت اللبنات على الوجه الذي به تقوى وتتماسك في خاصة نفسها، والذي به تتبوأ مكانها في بناء المجتمع، وجد المجتمع المثالي الفاضل، فيما بينه وبين نفسه، بالتراحم والتعاون وتبادل الخير والمنفعة؛ فلا نرى مريضًا وبجانبه طبيب لا ينظر إليه، ولا فقيرًا، وبجانبه غني يتمتع بفضل الله عليه، ولا يمد يده إليه، ولا مكروبًا، وبجانبه قادر على تفريج كربته ثم لا يفرج عنه كربته، ولا جاهلًا، وبجانبه عالم يستطيع أن يعلمه ثم لا يعلمه، ولا ضالًا، وبجانبه مرشد يستطيع رده عن ظلاله ثم لا يهديه السبيل، وجد المجتمع هكذا فيما بينه وبين نفسه، ووجد كذلك فيما بينه وبين غيره من سائر المجتمعات، قائمًا بنفسه، عزيزًا في وطنه، غنيًا بعلمه وماله، وبجميع وسائل الحياة، لا يذل لغيره من ضعف، ولا يساوم بعزته لحاجة، ولا يمد يده إلى غيره إلا كما يمد غيره يده إليه، فيعيش المجتمع فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين غيره، قائمًا بالواجبات، حاصلًا على الحقوق، في جو من العزة والكرامة، لا يفكر أحد في خديعته، ولا في سلب حريته، ولا يشكو أحد من أبنائه فقرًا ولا حاجة. وبذلك تكمل له السعادة، ويحصل على مجد الحياة.

غير أن صمام هذا الترابط بين الأفراد والمجتمع لابد لكي يثمر ثمرته، ويحقق غايته، ويستمر ناميًا لا يتناقص، بعيدًا عن الأهواء والشهوات سليمًا من اختلاف الآراء والنزعات، متمكنًا من قلوب الأفراد والمجتمعات؛ لابد أن تهيمن عليه في قلب الإنسان وروحه، قوة ينبع احترامها من قلبه، فيكون للتعاليم التي يتلقاها عن تلك القوة، ويسوس بها نفسه في فرده ومجتمعه، نفس الاحترام الذي ينبع من قلبه لتلك القوة وليس ذلك إلا التعاليم الآلهية، الواصلة إليه من الله رب العالمين، والتي تضمنها وأرشد إليها كتابه الكريم {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [1] .

(1) الإسراء: 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت