يستقبل المسلمون في كل عام بشهر ربيع الأول ذكرى محببة إلى نفوسهم، ذكرى يجري حبها في قلوبهم وأعصابهم جريان الدم في العروق، وجريان الروح في الجسد، ويذكرون بها الحد الفاصل بين الظلام الذي خيم على الإنسانية، وبين النور الذي كشف لها الطريق، ورفع عنها الحجب وأنار أمامها الحياة.
يذكرون بها الحد الفاصل بين الذل والاضطراب والفوضى، وبين العزة والسكينة والنظام.
يذكرون بها الحد الفاصل بين ما سقطت فيه الإنسانية من حمأة الجهل والاستبعاد وكبح الحرية والخضوع لغير الله، وبين ما ارتفعت إليه من سماء العلم ومكانة الرشد والاستقلال، مع حرية الرأي والخضوع لله الواحد القهار.
يذكرون كل ذلك بشهر ربيع الأول، كلما دارت حركة الفلك وجاء عام بعد عام.
يذكرون ذلك فتتجه مشاعرهم وتهفو قلوبهم إلى منابت هذه الذكرى، وإلى شخصية هذه الذكرى، وإلى عوامل هذه الذكرى، وإلى آثار هذه الذكرى.
ليس من شك في أن الأزمنة والأمكنة كالإنسان، تسعد وتشقى؛ فسعادة الإنسان ترجع إلى ما يمكنه من خلع ثياب الذل والاستعباد، والقضاء على صور الفساد والدنس التي تحيط به وتسلبه الحياة الفاضلة، حياة الحرية والعزة والكرامة، وإلى ما يهيئ له القيام بواجباته التي بها يحصل على حقوقه كاملة غير منقوصة، وتجعله ذا حظ يسمو به في حياته ويذكر به بعد مماته ويكون من الخالدين.
وسعادة الزمن ترجع إلى ما تسديه حركته إلى الإنسانية من قوى الخير والإصلاح، والسير بها في طريق الهدى والفلاح.
وسعادة المكان ترجع إلى ما ينبته من غذاء طيب يكون له فضله في تقوية الحياة، وسريان الخصوبة منه إلى ما يتصل به من موات، فتزكو التربة، وينبت الغرس، وتعظم الثمرة، وبقدر ما يتاح للإنسان والزمان والمكان من جهات السعادة، يكون اصطفاء الله للإنسان والزمان والمكان {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [1] .
(1) القصص: 68.