هذه عناصر أخرى جعلها القرآن من اللبنات الأولى في بناء المجتمع وهي «أولًا» العبادات التي فرضها الإسلام، وجعلها أركانًا للدين، بها يبنى وعليها يقوم، وهي الصلاة والصوم، والزكاة والحج «وثانيًا» الأخلاق التي حث عليها في نصوصه الصريحة، ودعا الناس إلى التمسك بها في أنفسهم وفي مجتمعاتهم تهذيبًا للنفوس وربطًا للقلوب وغرسًا للمحبة «وثالثًا» الحكم، في أساسه وفي علاقة المحكومين بالحاكم.
أما العنصر الأول، وهو «العبادات» فهي على وجه عام مدد للإيمان بالله، تغذيه وتنميه، وسبيل قوي تنفذ منه أشعة الهدى والنور إلى قلب المؤمن، فيريه الخير خيرًا فيعمله لنفسه ولغيره، وتريه الشر شرا ًفيعصم منه نفسه وغيره، وبهذا يكون مصدر خير ونفع لا شر فيه ولا ضرر.
والعنصرية الخاصة للزكاة والحج بعد هذا المعنى العام واضحة جلية؛ ففي «الزكاة» وهي نزول الأغنياء عن بعض ما لهم، نقدًا أو زرعًا، أو عروض تجارة أو ماشية، يتجلى معنى التضامن المادي الذي أوجبه الإسلام بين أهله، قيامًا بحق الفقير في سد حاجته، وصون كرامته، فيطهر قلبه من الحقد والحسد، ويخلص في معونة أخيه الغني، وقيامًا بحق الجماعة في إقامة المصالح والمنشئات التي لابد منها لكل مجتمع يريد الاحتفاظ بكيانه، والتمسك بشخصيته.
أما «الحج» ، فهو ميدان واسع، تلتقي فيه عشرات الألوف من المسلمين الذين يصورون حالة الشعوب الإسلامية كلها، وفيهم رجال الفكر والعمل، ورجال التدبير والاقتصاد، ورجال السياسة والحكم، ورجال الحرب والجلاد، يلتقي هؤلاء جميعًا في مكان واحد، بدعوة من الله حول بيته الكريم بنية العبادة والتقرب إليه سبحانه، وفي ظل من الذكريات الأولى التي توحي إليهم بما يفتح أمامهم سبل الحياة العزيزة، فيتعارفون ويتشاورون، ويتعاونون على تحقيق ما ينفعهم، بوحدة لا تنفصم عراها، وقوة لا يلحقها ضعف ولا تواكل.
وحسبنا في ذلك أن نفهم معنى «المنافع» التي جعل القرآن الحج سبيلًا إلى شهودها حينما يقول {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [1] .
وإذا ما عرفنا أن كلمة {مَنَافِعَ لَهُمْ} لا تعني في هذا المقام خصوص المنافع الروحية التي يحققها أداء الأفراد لمناسكهم وإنما تعني كل ما ينفع المسلمين أفرادًا وجماعات، روحيًا وماديًا، دنيويًا وأخرويًا -
(1) الحج: 27، 28.