عرفنا الأثر العظيم الذي يجب أن يحصل عليه المسلمون في بناء مجتمعهم من عبادة الحج، ولا ريب أن أول ما ينفعهم باعتبارهم أمة واحدة، ذات عقيدة واحدة، وتشريع واحد، وكيان واحد، هو ما يحقق لهم عمليًا وحدتهم، ويسمو بمجتمعهم، ويجعله في مكانة تعلو به عن مواقع الأطماع، ومساقط التيارات التي تمزق كتلتهم، وتمكن الأعداء منهم.
هذه هي «الزكاة» وهذا هو «الحج» ، وذاك هو سبيل عنصريتهما في بناء المجتمع.
أما «الصوم» و «الصلاة» ، فقد يبدو غريبًا عند بعض الناس أن لهما عنصرية في بناء المجتمع، فهما في ظاهر الأمر عبادتان شخصيتان، لا يدخل في حقيقتهما بذل مال يسد حاجة أو يحقق مصلحة كما في «الزكاة» ، ولا اجتماع يسمح بتشاور وتعاون كما في «الحج» ، ولعل هؤلاء لا يعرفون من «الصوم» إلا هذا المعنى السلبي الجاف، وهو حرمان المرء نفسه من الطعام والشراب وما إليهما، ولا يعرفون من «الصلاة» سوى تلك الحركات التي تؤدى باسم القيام والركوع والسجود.
والواقع أن «الصوم» و «الصلاة» لم يجعلهما الله مددًا للإيمان ولا عنصرًا من عناصر المجتمع، بل ولم يكلف بهما عباده قبل التكليف بأي شيء سواهما - على هذا المعنى الذي يظنه هؤلاء والذي لم يكن مصدره عندهم سوى ما ألف المسلمون من «صوم» و «صلاة» .
أما الصوم فإن الله يقول بعد افتراضه على المؤمنين {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [1] ، وكلمة «لعل» صادرة من الله، ليس معناها الرجاء وتمني حصول المحبوب، فإن ذلك بالنسبة إليه سبحانه غير معقول وإنما معناها إعداد النفوس وتهيئتها للتقوى. وواضح أن إعداد النفوس وتهيئتها للتقوى لا تكون بمجرد الإمساك عن شهوتي البطن والفرج كما يقال في معنى الصوم، وكما درج عليه بعض المسلمين في صومهم، وإنما يكون بما يحدثه الصوم في النفس من مراقبة الله واستحضار سلطانه، وجبرها على ترك ما تألف، فيقف المراقبة والصبر حاجزًا بين الإنسان وأطماعه الفاسدة التي ينتهك بها الحرمات، ويسقط أمامها تقدير الحقوق والواجبات وبذلك يرهف حسه ويحيا ضميره، ويعظم خيره لنفسه ومجتمعه وتتحقق لديه التقوى كما أراد الله.
وليست التقوى هي ذلك اللون الشاحب، أو الصوت الخافت، أو الرقبة المنحنية، ولا هي «الهمهمة» بكلمات تعرف بالتسبيح والتهليل، ولا «الهذرمة» بآيات تقرأ وتتلى، وإنما التقوى ذات عنصر إيجابي يدفع إلى فعل الخير للنفس وللغير، وذات عنصر سلبي يمنع من فعل الشر للنفس وللغير، ولهذه التقوى
(1) البقرة: 183.