التي لا يعرف القرآن سواها، فرض الله الصوم وجعله مددًا للإيمان، وبها كان الصوم عنصرًا قويًا من عناصر تكوين المجتمع في نظر الإسلام ومنهجه.
أما «الصلاة» ، وهي العبادة التالية للإيمان، والعبادة القديمة التي أخذ بها العهد والميثاق في كل الرسالات الإلهية - فإن القرآن لا يعرف منها سوى الصلاة الخاشعة وقد عرض لها على أنها من أوصاف المتقين، الذي هم على هدى من ربهم {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [1] وعرض لها على أنها من علامات البر الذي رسمه الله لعباده وجعله عنوانًا على صدقهم في الإيمان والتقوى {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [2] .
وعرض لها على أنها طريق للتهذيب، والوقاية من الفحشاء والمنكر، والتطهر من غرائز الشر التي تفسد على المجتمع حياته {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [3] {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [4] ، {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [5] وعلى العكس جعل إهمالها عنوان الانغماس في الشهوات وسبيل الوقوع في الغي والضلال {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [6] . وهذا وجه عنصرية الصلاة في بناء المجتمع من جهة ما تحدثه في الأفراد، من التهذيب الخلقي والسمو الروحي.
وإذا كانت لبنات المجتمع هي الأفراد، فإن كل قوة تكون بالأفراد هي قوة للمجتمع، ومن هنا عنى الإسلام في أول ما عنى بتقوية الأفراد عن طريق العقيدة والعبادة.
وإذا ما عرفنا منزلة «الجماعة» في أداء الصلاة، وحرص الإسلام عليها إلى حد أن اشترطها في صحة الصلاة الأسبوعية وهي صلاة «الجمعة» ، عرفنا جهة أخرى لعنصريتها المباشرة في بناء المجتمع، وهي جهة الاجتماع المتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وفي الشهر أربع مرات باسم الدين والعبادة، وفيه تتوثق العرى، ويتركز التعاون.
(1) البقرة: 5.
(2) البقرة: 177.
(3) طه: 14.
(4) العنكبوت: 45.
(5) المعارج: 19 - 22.
(6) مريم: 59.