يقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [1] .
كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على قومه، وكان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا، وكان من رحمته بهم تعهدهم بالموعظة الحسنة، وإرشادهم إلى ما يزكي نفوسهم، ويطهر قلوبهم، ويطبعهم على محبة الخير والفضيلة، لأنه خير وفضيلة، وبذلك سمت أغراضهم، وقويت عزائمهم، ونهضت هممهم، وارتبطوا في أعمالهم بمصدر الخير الدائم الذي لا ينقطع مدده، ولا يحجب رفده، فاستقامت لهم الأمور، وانتظمت بهم الشئون وسارت في طريق الكمال، لا تلتوي بهم مسالك الهوى، ولا تأخذ بهم تيارات الشهوة عما أعده الله لعباده المؤمنين من حياة عزيزة دائمة، وسعادة أبدية خالدة.
وهكذا كان يرشد الرسول أمته، وهكذا نهضت أمته بالحياة وكملوا نفوسهم بالإخلاص لله فألقيت الدنيا إليهم بمقاليدها، واستقرت لهم الكلمة في أرجائها، وأصبحوا بعد جاهلية آثمة - أئمة يهدون بأمر الله.
ولقد كان من أهم الإرشادات التي تتصل بإصلاح القلوب والنفوس؛ بل من أهم أنواع العلاج في تقوية العقيدة، وتهذيب النفس والخلق، ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
حديث عظيم الشأن، جليل القدر، لا من جهة دلالته على فرضية النية في الوضوء أو عدم دلالته، وإنما من جهة ما يبين للناس الأساس التي تحوز به أعمالهم المشروعة: وضوءًا أو صلاة، زكاةً أو حجًا، صومًا أو إرشادًا، درجة القبول عند الله، ويبين لهم أن هذا الأساس ليس من الشئون التي تخرج عن طوق الإنسان وقدرته، أو تعزب عن إدراكه وتقديره، يبين لهم أن هذا الأساس، ليس هو مجرد الحركات والسكنات، أو الصور والأشكال التي يراها الناس فيخلعون على صاحبها صفات التقوى والورع، غير ناظرين إلى ما تحمل نفسه من البواعث التي تدفعه إلى هذه الأعمال.
(1) التوبة: 128.