الصفحة 84 من 108

يبين لهم أن الشأن في قبول الأعمال أو رفضها عند الله، إنما هو في الروح الذي يحسه الإنسان من نفسه، ويعلمه الرب في عبده حين يتجه إلى العمل وحين يعمل، وعلى قيمة هذا الروح عند الله، يكون جزاء العامل على عمله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ذلكم الروح، هو الغرض الذي يبعث الإنسان على العمل، فإن كل عاقل لابد له من غرض يقصد إليه بعمله وإذا ما خلا من غرض يقصد إليه بعمله، كان عابثًا، وكان عمله كجثة هامدة، لا قيمة له ولا خير فيه.

وإذا كان لابد لكل عاقل من غرض يقصد إليه بعمله، فإن ذلك الغرض هو الأساس في قبول الأعمال ورفضها، هو الميزان الذي به تعرف درجة الأعمال عند الله، فإذا ما سما الغرض، ونبل المقصد، واتصل بالإرادة الدائمة، والتمس به مرضاة الله، كان ذلك سببًا قويًا في تقبل الأعمال، وارتفاع الدرجات، وكان في الوقت نفسه دليلًا واضحًا على قوة إيمان العامل بالله، وشدة مراقبته لمولاه، فيتقي ويحسن، ويكون منه في كنف ومعية {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [1] .

وأما إذا سفل الغرض وانحط المقصد، واتصل بإرادة الحصول على شهوة زائلة أو سمعة زائفة، أو حيلة خادعة، فإن ذلك يكون سببًا قويًا في رفض الأعمال وردها على أصحابها، وكان في الوقت نفسه دليلًا واضحًا على خلو القلب من روح الإيمان الصادق، وعلى عدم تمثله عظمة الله ومراقبته، وكان العامل في تلك الحالة باذلًا بعمله دينه لدنياه، هازئًا بعبادة مولاه، وكان جديرًا ألا ينظر الله إليه ولا يزكيه ولا يكلمه {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [2] .

فمن ابتغى تقديس الله بصلاته وصومه، وابتغى مرضاته بالبذل والجهاد في سبيله، وابتغى بإرشاد الناس إصلاحهم، وتوجيههم إلى الخير، وابتغى بحكم الناس والهيمنة عليهم، إقامة العدل، وإيصال الحقوق إلى أربابها، وإنصاف المظلوم من الظالم، والرحمة بالضعفاء، وقعت أعماله عند الله موقع الرضا والقبول، وتولاه برعايته، وسدده في قوله وعمله، ونشر عليه من رحمته وجعله مورد خير دائم لله ولعباد الله {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [3] ، {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [بستان بمكان مرتفع] أَصَابَهَا وَابِلٌ [مطر غزير] فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ [ثمارها مثلين] فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ [مطر قليل] وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [4] .

(1) النحل: 128.

(2) البقرة: 16.

(3) النساء: 114.

(4) البقرة: 265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت