أما من صلى أو صام، أو تصدق أو جاهد، أو دعا الناس إلى شيء من ذلك بقصد أن يخلع عليه لباس التقوى والصلاح، أو لباس السخاء والكرم، أو لباس الشجاعة والإقدام، أو لباس الحكم والسلطان، أو لباس العلم والمعرفة، فهذا ونحوه مردود عليه عمله، وصفقته عند الله كاسدة غير نافقة وخاسرة غير رابحة لا يعرف صور الخير إلا حيث قدر لنفسه مغنمًا خاصًا، أو لمع له برق ولا ينتفع به سواه، ولا يظهر له في أخراه.
هذا هو الأساس في قبول الأعمال ورفضها عند الله، وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك العظة القيمة، الهجرة من مكة إلى المدينة مثلًا طبق عليه هذا الأساس الذي قرره: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه» .
مثل من واقع الحياة التي انتظمته صلى الله عليه وسلم وهو وأصحابه، كانت الهجرة من مكة إلى المدينة في ذلك الوقت، وقت أن تألب الكفار على النبي ومن آمن معه - من أهم الواجبات الدينية التي أمر الله بها رسوله، كانت واجبة حفظًا للدين بإقامة شعائره ونشر أحكامه والجهاد في سبيله مع المهاجرين والأنصار، كانت واجبة جمعًا للكلمة وربطًا للقلوب في إعلاء كلمة الحق والدين.
وقد هاجر في سبيل ذلك مع النبي من هاجر، وكان من بين المهاجرين رجل لم يهاجر بنية المهاجرين الصادقين، وإنما هاجر تبعًا لامرأة يقال لها أم قيس، يريد أن يتزوجها، شاع بين الناس أمره ووصل إلى الرسول خبره، فاتخذ الرسول من واقعة الحال المعلومة لهم نصيحته الغالية وحكمته البالغة، فقال: «إن هجرته إلى ما هاجر إليه» فليلتمس منها الجزاء، فليس له عند الله جزاء.
هذا هو الأساس في تقدير الأعمال عند الله، وهذا إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم لأمته كي يظفروا بالقبول والرضا عند الله وكي تنطبع في نفوسهم محبة الخير لمحبة الله إياه.
فإلى مهاجري أم قيس في هذا الزمن وما أكثرهم، إلى هؤلاء الذين يتخذون الدين مغنمًا والدعوة إلى الفضيلة متجرًا، والحكم بين الناس صلفًا وتعسفًا.
إلى هؤلاء الذين يلبسون للناس مسوح التقوى، ويتسترون بصور من الطاعات لا روح فيها ولا حياة، ليتخذوا من صور الخير يعبرون عليها إلى الشهوات والأغراض السيئة نوجه هذا الحديث العظيم «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» .