الصفحة 62 من 108

عرضنا فيما سبق إلى جملة من أساليب القرآن في الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله، وهي في جملتها وتفصيلها ترشد إرشادًا واضحًا إلى مقدار عناية الإسلام في بناء المجتمع بالتضامن المادي بين المسلمين، وتدل في الوقت نفسه دلالة قوية على أن الإسلام ليس دينًا روحيًا بحتًا؛ كما يخطئ في تصويره وفهمه بعض الناس فيرون أنه يأخذ من كلمة «دين» معناها الذي اصطلحت عليه بعض الطوائف لأسباب خاصة فيما بينهم، وأنه بذلك يكون فقط علاقة بين العبد وربه ولا شأن له ببناء الجماعة ولا بتنظيم شئونها.

والواقع الذي تدل عليه الأساليب الواردة في الإنفاق سواء منها ما يختص بالفقير، وما يختص بالمصالح والمنشآت، هو أن الدين الإسلامي دين بالمعنى العام الشامل؛ يقرر: أولًا صلة الإنسان بربه، ثم يضع أصول التنظيم للعلاقات البشرية، وللشئون العامة التي تتوقف عليها سعادة المجتمع.

وقد رأى أن هذا التنظيم، وتوجيه الناس إليه، واستجابتهم له، لابد أن يكون مسبوقًا بخشيتهم لواضعه، واستشعارهم لعظمته وأنه يعلم من الإنسان سره كما يعلم منه علانيته، وبذلك تستقر في النفوس مبادئ الرحمة والمحبة والتعاون، وتبادل المنافع وتوحيد الشعور والإحساس، ويرى الفرد نفسه لبنة من لبنات المجتمع فيبذل من نفسه وماله وراحته ما يحقق عنصريته في المجتمع.

رأى الإسلام ذلك، ورأى أن أعظم الوسائل وأقواها في تحقيق الوحدة الشعورية بين أبنائه وأهله، هو أن يأخذهم أولًا بما يصفي قلوبهم ويهذب أرواحهم ويصلهم بمصدر الخير المطلق والرحمة الواسعة.

ومن هنا أوجب عليهم عبادات بدنيه عينية، فيها يناجون ويرقبون ربهم، ويشتركون في أدائها والقيام بها على موائد من خشيته وعبادته وتقديسه.

أوجب عليهم الصلاة والصوم، وأرشدهم أن ليس القصد أن يولوا وجوههم قبل المشرق والمغرب؛ وإنما القصد أن تعصم نفوسهم من الفحشاء والمنكر، وأن تغير فيهم أخلاق الشر والبغي والتقاطع، بأخلاق الخير والعدل والتعاطف وبذلك يتحقق الشعور الجماعي الذي يكون مجتمعًا فاضلًا، يقوم بعمارة الكون، ويبشر دعوة الله في الأرض، ويبث مبادئ العدل العام، ووسائل السلام والأمن بين الناس، وهذا هو كل ما يرمي إليه الدين بتشريعاته وتوجيهاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت