الصفحة 63 من 108

والدين يقرر بنصوصه العامة والخاصة أن العبادات إذا لم تصل بصاحبها إلى درجة الشعور بجزئيته في المجتمع، وتدفعه إلى القيام بواجبه فيه - لا يقام لها وزن عند الله، ولا يحظى صاحبها بدرجة القبول عنده.

إن الدين الذي يقرر هذا، ويقرر أن من أركانه وعباداته المفروضة - التي يكفر منكرها، ويفسق تاركها - الإنفاق في سبيل الله بما يسد حاجة الفقير وبما يقيم المصالح الجماعية، ليس معقولًا ولا مقبولًا أن يكون دينًا لا علاقة له ببناء المجتمع، ولا بشئونه، وإذا رغب الناس التعبير الحق في هذا الشأن فليكن: الإسلام هو دين المجتمع، ودين الشئون الاجتماعية.

أليس الإسلام بكل ما فرضه من عبادات ومعاملات، يعمل على تطهير القلوب من الحقد والحسد؟ ويعمل على تقوية أواصر الألفة والمحبة بين الأغنياء والفقراء، وبين الناس جميعًا، ويعمل على عمارة الأرض، وإقامة المشروعات، وإنشاء الحضارات، ويعمل على إعداد القوة التي ترهب الطامعين المفسدين، وتحقق العزة التي جعلها الله لنفسه ولرسوله وللمؤمنين؛ أنجد بعد هذا شيئًا من عناصر المجتمع لم يعرض له الإسلام ولم يجعله من أهدافه الأولى.

الحق والحق أقول، إن المسلمين لم يضعفوا في نهضتهم الاجتماعية إلا من يوم برزت فيهم هذه الفكرة الخاطئة، واعتنقها مدبرو الأمر فيهم، وقادة ثقافتهم؛ فكرة التفرقة بين الدين والاجتماع، برزت هذه الفكرة بين المسلمين، إما جهلًا بحقيقة التكاليف الدينية، وإما انحرافًا مقصودًا لتشويه دين الله وصرف الناس عن التمسك به، وإما مجاراة وتقليدًا لقوم قصروا معنى الدين على يريدون.

برزت هذه الفكرة وقام فعلًا بالإصلاح الاجتماعي دعاة لم يعتمدوا في دعوتهم على سلطان الدين، وانكمش أمامهم رجال الدين، وقصروا أنفسهم على تلقين الناس رسوم العبادات وكيفياتها الظاهرة، وأحكام صحتها وفسادها.

ومن هنا قرَّ في تصور كثير من الناس أن الدين بأحكامه وإرشاداته شيء، وأن الاجتماع بمقتضياته وشئونه شيء آخر، وصرنا نسمع في المسألة الواحدة، أن رأي الدين كذا، ورأي الاجتماع كذا!!، ومن هنا نام الرقيب القلبي في شئون الجماعة، فاضطرب حبلها، وساءت أخلاقها، وتفنن المجرمون في صور الإجرام، وهانت الأعراض.

لو أن المصلحين ترسموا في إصلاح شعوبهم خطى الدين في تهذيب النفوس، وتقويم الأخلاق، واستعانوا بهدايته التي تملك على الإنسان - بإيمانه - قلبه وشعوره وإحساسه، لوجدوا من وحي الضمير، ووازع النفس، ما يحقق لهم وجوه الإصلاح التي تعجز عن تحقيقها القوانين، التي لا تملك من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت