الصفحة 58 من 108

اتضح مما أسلفنا أن الإسلام يعتمد في بناء المجتمع على جملة من المبادئ، أهمها في الجانب المادي من الحياة، مطالبة كل فرد من أفراد المجتمع بالعمل على تحصيل رزقه الذي يكفل حاجته ويوفر له حياة نفسية هادئة، وأشعر الإسلام بجانب هذا الأغنياء الذين آتاهم الله من ماله أن هذا المال وإن كان معقودًا في ملكيته بأسمائهم إلا أن حق الانتفاع به مشترك بينهم وبين إخوانهم الفقراء الذين يكونون المجتمع معهم ويكون راحته من راحتهم واضطرابه من اضطرابهم، مشترك بينهم وبين المصالح العامة التي تحتاج إليها الجماعة في راحتها واستقرارها وإدارة شئونها، وبعد هذا أوجب الإسلام مد يد المعونة إلى الفقراء والمساكين وأرباب الحاجات، إما بالبذل أو بتهيئة العمل، كما أوجب مدها إلى أولياء الأمر بما يمكنهم من إقامة المصالح التي تحقق خير الجماعة.

ووضعا للمعونة في موضعها، ووقوفًا بها عند الحد الذي يرفع عن كاهل المحتاجين عبء الضرورات المقومة والحاجات الميسرة والمصالح النافعة، لهذا حذر الإسلام كل التحذير من الإسراف، وإنفاق الأموال حيث لا ضرورة تلجئ إليه ولا حاجة تقتضيه.

على هذه الأسس التي تقتضيها الأخوة، والتراحم والتعاون، والاشتراك في الإحساس، وتبادل الشعور بين الأفراد بعضهم مع بعض، وبينهم وبين الدولة، امتلأ القرآن في مكيه ومدنيه بآيات الحث على الإنفاق للفقراء والمساكين وفي سبيل الله، وقد وجهت العناية الكبرى في ذلك إلى قضاء الحاجات الشخصية التي تطرأ على الأفراد فتوهن من قوتهم، وتضعف من روحهم، ولا ريب أن قلقهم في الحياة مع رؤيتهم تمتع إخوانهم الأغنياء، مما يضاعف همهم، ويفتح لهم شر النوافذ التي يعكرون بها على الجماعة صفو الحياة ويزلزلون عليها عناصر الأمن والاطمئنان.

بهذا الوضع الذي انتهجه الإسلام في بناء المجتمع، وربط به بين أفراده بما يجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وكالجسم الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وكاليدين تغسل إحداهما الأخرى - بهذا الوضع الذي يركزه الإسلام ويدعو إليه، ويحذر مخالفته أو التهاون فيه، ويعتبر التهاون فيه إلقاء بالأنفس إلى التهلكة - بهذا كان من غير المعقول أن يبيح الإسلام للغني القادر من أبنائه أن يستقل بمتعة ماله، وأن ينفرد بحق الانتفاع به دون أن يمد يده لسد حاجة المحتاج من إخوانه أو دولته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت