الصفحة 59 من 108

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن تركه يجوع ويعرى - وهو قادر على إطعامه وكسوته - فقد أسلمه] ، وصح عنه أنه قال [من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ويقول المحدث: ثم ذكر أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضله] ويقول عمر بن الخطاب: [لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين] .

وإذا كان من غير المعقول في الإسلام - وموقفه هكذا من مبدأ التعاون، أن يباح للغني أن يقبض يده عن معونة أخيه الفقير، أو عن المساهمة في إقامة المصالح العامة - فمن غير المعقول بوجه أبعد وأشد، أن يباح له شد الخناق على رقبة أخيه الفقير، أو دولته المحتاجة، فيفرض عليه أو عليها في مقابلة المعونة الواجبة دراهم معدودة يردها إليه أخوه الفقير المحتاج، أو دولته الفقيرة المحتاجة، زيادة على رأس ماله الذي أقرضه إياهم، سدًا للحاجة أو إقامة للمصلحة.

ومن هنا حرم الإسلام - إبقاءً على هذه المبادئ الإنسانية - تحريمًا قاطعًا أن يتخذ الغني حاجة أخيه الفقير، أو دولته المحتاجة، فرصة لاكتساب المال عن هذا الطريق الذي لا خير فيه للمجتمع ولا للأفراد، والذي يجعل الغني في تربص دائم لحاجة المحتاجين، يستغلها في زيادة ماله، دون عمل يحقق به نسبته إلى المجتمع، وجزئيته في بنائه، والذي ينزع من قلبه الشعور بالوحدة، ومعاني الرحمة والعطف التي هي من خصائص الإنسان الفاضل.

وقد جاء في القرآن: {الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [1] وجاء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [2] .

وهذا هو الأصل في تحريم الإسلام على أهله المعاملة المعروفة باسم الربا.

وقد جاء وقلوب فارغة من معاني الرحمة والتعاون، يأكل قويهم ضعيفهم، ويستغل غنيهم فقيرهم، ولا فضل للغني سوى أنه ذا مال، ولا ذنب للفقير سوى أن ظروف حياته لم تهيئ له مواد الغنى وسبل الكسب، وفي هذا الجو المظلم تفتق جشع الأغنياء عن هذه المعاملة، وتقاضوا ممن يداينوهم بقرض أو ثمن في مقابلة تأجيل القضاء، زيادة عن رؤوس أموالهم، واتخذوا ذلك سبيلًا لجمع الأموال وتكديسها من

(1) البقرة: 275.

(2) البقرة: 278، 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت