الصفحة 60 من 108

دماء المحتاجين، وبذلك نشأت الرأسمالية الطاغية، فمزقت الإنسانية وجعلت أفرادها أشبه بحيوان الغاب، الغني يطمع فيفترس الفقير والفقير يحقد فيفترس الغني، ولكل سلاحه الذي يقتل به أخاه.

جاء الإسلام والناس على هذا الوضع السيئ فأفرغ جهده في القضاء على منابع الشر، وأخذ بمبادئه الحكيمة، يزيل الحواجز التي قطعت ما بين الناس من صلات التراحم والتعاون، والبر والإحسان، وأخذ يبني المجتمع بناءً واحدًا متماسك اللبنات، متضام الوحدات، وكان أول ما اتخذه من ذلك في الناحية الايجابية الحث على التعاون والتراحم، وأخذ القادر بيد الضعيف، ووصل ما قطعوا من صلات، ثم كان تحذيره الشديد فيما يختص بالناحية السلبية، فحرم الربا والرشوة، بعد أن حرم الشح والبخل والضن بحق الفقير والمسكين.

ولإظهار ما بين الناحيتين من تفاوت، قابل القرآن الكريم في كثير من آياته بينهما ووضع أمام الأبصار سورة مضيئة هي صورة التراحم المطلوبة، وبجانبها صورة مظلمة هي صورة الاستغلال الممقوتة، كي يمعن الناظرون في الآثار الطيبة لصورة التراحم، والآثار السيئة لصورة الاستغلال، فيكون لهم من هذا الوضع ما يردهم عن احترام صورة الاستغلال إلى احترام صورة التراحم، وبذلك تتحقق إنسانيتهم الفاضلة ويسيرون في الحياة بخطوات متزنة في البناء والتشييد، فينعمون بالحياة وتنعم بهم الحياة.

ومن هنا لا نكاد نجد آية من آيات التحذير عن مبادئ الاستغلال إلا وبجانبها آية أو آيات تعلي من شأن البذل والمعونة والتراحم، وإن شئت فاقرأ من سورة البقرة المدنية الآيات من الواحدة والستين بعد المائتين: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} . إلى الآية الثمانين بعد المائتين: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ، وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

واقرأ من سورة آل عمران المدنية، الآية الثلاثين بعد المائة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} إلى الآية الرابعة والثلاثين بعد المائة {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .

واقرأ من سورة الروم المكية الآيتين، الثامنة والثلاثين والتاسعة والثلاثين: {فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت