الصفحة 103 من 108

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد فمن القضايا المقررة أنه لا خير فيمن لا خلود له، ولا خلود لمن يقف نفسه على نفسه أو يقف بفكره في مجتمعه عند متخلفات الماضي، الذي طويت صفحته، وكذلك لا خلود لمن يقود مجتمعه على غير أساس من شخصيته التي ينبع احترامها من قلبه، وينحرف إلى العواصف التي ترسلها القوى المضادة، بزعم أن فيها خدمة المجتمع وبها حياته.

ولكن الخلود لمن يقف فكره وراحته لخير مجتمعه الذي يلبي حاجة إحساسه ووجدانه ووقته، ثم يخلص عوامل التوجيه من آثار المخلفات الزمنية البالية، ويصونها من العواصف الهوجاء التي تثار حول مجتمعه ابتغاء زلزلته، عن مصدر حياته: عقيدته وإيمانه.

وليس من شك في أن أول ما يشاد عليه بناء المجتمعات الفاضلة، التي تعرف حقها وواجبها في الحياة، هو «العلم والتعليم» .

وقد كان العلم والتعليم بمعناهما الواسع، الذي يتناول ظاهر الحياة وباطنها، ووسيلتهما، وهي محو الأمية، أول لبنة توضع في بناء الشخصية للمجتمعات الإسلامية، ولا أدل على ذلك من أن يجيء أول نداء إلهي لرسول تلك الشخصية: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [1] .

وعلى هذا الأساس، نشأ المجتمع الإسلامي، وغاص بفكره في ملكوت السموات والأرض، حتى اقتعد مركز الأستاذية العلمية والتوجيهية في العالم كله، ثم جاءت عهود، أصيب فيها بنكسة في حياته، وشغل القائمون بالأمر فيه، عن متابعة السير في طريق الصون والكمال، وناموا عن العمل في تنمية العلم، وانتقاء الطرق المثلى في التعليم، وكذلك أهمل في تعليمه عنصر التربية والتهذيب، الذي يملك عليه قلبه وضميره، ويحتفظ له بكل الآثار الطيبة التي يرقبها الناس من العلم والتي تحقق فيه رباط الوحدة في الشعور والإحساس والهدف.

جاءت تلك العهود، وامتد بها الوجود، حتى اتصلت بحياتنا الحاضرة، ورأيناها في معاهد العلم والتعليم، وفي ذلك الجو الذي انعقد فيه على رءوس الناس، غبار الفتن السياسية والحزبية، والتنافس على

(1) العلق: 1 - 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت