مراكز الحكم، وجدت عوامل الهدم الأجنبية الفرصة سانحة، فأخذت تنفث سمومها الفتاكة في أجهزة المجتمع، من اقتصاد واجتماع، وتربية وعقيدة، وإيمان وأخلاق.
أخذت بإرسالياتها وكتبها وجمعياتها، والأقلام المأجورة في هدم ذلك البناء الشامخ، واقتلاع شخصيته من نفوس أبنائه وورثته، وبذلك فيما بيننا على العلم بمعناه الصحيح، على الرحم العلمي والوطني والإسلامي بين أبناء الأمة، ووقع المجتمع في اضطراب فكري، يتبعه اضطراب عملي، فتزعزعت جوانبه، وتزلزلت أركانه، وكاد يسلم نفسه وحياته.
ولكن الله الغيور على مجتمع التوحيد والإيمان، أسعفه بفتية من أبنائه تفهم نفسها، وتفهم مجتمعها، وتعرف معنى الخلود، وتتلمسه من وجوهه الصادقة فأخذوا بإيمانهم الذي هو من إيمان المجتمع يعملون جاهدين في إنقاذ المجتمع من شر ما نزل به، أخذوا يبحثون وينقبون، ويستعرضون ويختارون وينفذون، وكان ذلك شأنهم وخطتهم في خدمة المجتمع وتقويمه من كل نواحيه، وكان من ذلك ندوة «العلم والتعليم في خدمة المجتمع» ، تدعو إليها وزارة الشئون، ويرأسها وزير التربية والتعليم.
ليس من شك في أن هذه العهود التي أشرنا إليها، وقفت عند حد من العلم والتعليم، لا ينهض بمسايرة مجتمعنا لما حوله من مجتمعات العالم، ومكنت في الوقت نفسه للقوى المضادة، أن تعمل على سلخ شخصيته التي كون عليها من جهة إيمانه وإحساسه، وبذلك وقف وقفة المبهوت الحائر، المتردد بين إيمانه وإحساسه، وبين ما غرسته فيه تلك العهود.
فإذا كنا نريد حقًا أن ننقذ مجتمعنا من هول ما أصيب به، من داخله وخارجه - وهو الذي أعتقده ولا أشك فيه، وهو الذي تقوم الدلائل في كل يوم وفي كل وقت على صدقه، وعلى الإيمان به - فإنه يجب علينا أن نؤمن بأن لكل مجتمع خصائص وشئونًا نفسية وقلبية، عليها نشأ وبها آمن، وأن نؤمن بأن أساس تعليمه المثمرة وخدمته المفيدة، هو ما طبع عليه من تلك الخصائص وتلك الشئون وأنها وحدها هي التي تملي عليه عوامل الثبات والنمو، في سبيل ما يرسم له من مناهج الخير والتقدم.
ولا ريب أن قادة اليوم من صميم المجتمع، شخصيتهم شخصيته، وإيمانهم إيمانه، وإحساسهم إحساسه، وإذن فليس أمامنا ما يعوقنا عن اتخاذ شخصيتنا الخاصة، شخصية الإحساس والإيمان، العنصر الأول في التعليم والتهذيب.
وإني أعتقد أن قادة اليوم، لا يقنعون - بمقتضى إيمانهم - أن يقفوا بهذا العنصر عند منهج التعليم في المرحلة الأولى، هذه المرحلة التي لا يتذوق الطالب فيها طعم شخصيته، ولا يعرفها إلا بكلمات