الروحية المهذبة
إذا كانت سعادة الإنسان - كما تقضي به طبيعته، وكما قرره الإسلام - لا تكمل إلا باستكمال حظي الجسم والروح معًا وأن الروحية البحتة، أو المادية البحتة، لا تصلح واحدة منهما سبيلًا للسعادة؛ أخذًا من واقع الحياة البشرية، فإن الإسلام يرى مع هذا وذاك، أن الروحية المهذبة أساس للمادة المهذبة، وأن منها ينبع الروح المهذب للمادة. وبتهذيب الروح المهذب للمادة. تكمل للإنسان سعادته في دنياه وأخراه، في فرده وفي مجتمعه ومن هنا عنى الإسلام:
أولًا: بتهذيب الروح وطالب به، ولفت الأنظار إليه في مبدأ دعوته. حتى إذا ما تم على الوجه الذي يحفظ للإنسان قلبه وروحه، ويربطه بخالقه والمنعم عليه، انتقل به إلى المرحلة الأخرى، مرحلة التنظيم المادي، الذي يكون التهذيب الروحي من أهم عوامل تركيزه وإقراره في الحياة، والذي يكون أثرًا للضمير الحي المهذب الذي يقدر الخير للخير، والحق للحق، غير مدفوع برغبة أو رهبة فيما وراء الحق والخير.
وقد وضع الإسلام للتهذيب الروحي جملة من الوسائل تتلاقى كلها عند غرض واحد؛ هو تنقية الفطرة البشرية من معاني الشرك، ونسيج الوثنية التي تطمس في القلب، صورة التوحيد النقي الخالص، الذي فطر الله عليه الإنسان، والذي يهذب منه الروح، ويسمو بها في إدارة الشئون، وتحصيل وجوه السعادة العامة: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [1] . ومن أولى هذه الوسائل، التفكير في ملكوت السموات والأرض {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ، وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [2] .
وبهذا التفكير تعرف الآثار الدالة على جلالة مصدرها، وعلى كماله في العلم والقدرة، وعلى عموم رحمته وسلطانه، فتخضع النفس لإرادته، وتنشط في طاعته، وتتوخى في حياتها ما يرضيه ويقرب إليه: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ
(1) البقرة: 138.
(2) ق: 6 - 11.