الصفحة 17 من 108

الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [1] .

وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال حينما نزل قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [2] . قال «ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر» .

ومن هنا كان ذكر الله والتفكير في آثار قدرته، جناحين يرتفع بهما الإنسان عن حمأة المادة المظلمة إلى مشرق الروحية المضيئة، وقد قلب القرآن في آياته المتلوة، صحف هذا الكون أمام الإنسان، دخل به نفسه، وصعد به إلى السموات، ونزل به إلى الأرض، وطاف به الوديان والجبال، وغاص به البحار، ودعاه في كل ذلك مرارًا وتكرارًا إلى النظر في آياته العقلية والحسية؛ وكثيرًا ما أوحى القرآن أن هذه الدعوة سنة الله في كل رسالاته إلى خلقه، عنى بها كل كتاب، واهتم بها كل رسول {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ، يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [3] . {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [4] .

وبذلك ربط آخر العالم بأوله، وربط دنياه بأخراه، وجعل الكل وحدة تتجلى فيها وحدة الخالق، وسلطانه القوي الرحيم: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى، وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى، وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى، وَالْمُؤْتَفِكَةَ، فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى؟ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى، أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ، لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ، أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ، وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ، فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [5] .

(1) البقرة: 163، 164.

(2) آل عمران: 190، 191.

(3) البقرة: 132.

(4) الشورى: 13.

(5) النجم: 43 - 62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت