إن تقليب النظر في الأرض وما حوت، وفي السموات وما اشتملت؛ أمر سهل ميسور؛ تدعو إليه الأبصار، وتلح به العقول، ولكن الذي جعله الله وسيلة للتهذيب الروحي، هو التفكير المصحوب بالتذكر، فهو الذي يطبع في النفوس صور الجلال الذي يملأ النفس رهبة، وصور الجمال الذي يملأ النفس رغبة، وبرهبة ما ينبغي أن يرهب، ورغبة ما ينبغي أن يرغب، ينحي الإنسان عن نفسه، صور الرهبة الكاذبة التي ليس لها مصدر يخاف، وصور الرغبة الزائفة التي ليس لها مصدر يرجى، ويترسم في رغبته ورهبته دلائل الحق التي تملأ نفسه بعظمة الخالق وحكمته، وبذلك يقتعد مكانته التي خلق لأجلها في الحياة، وهيئت له في الآخرة.
وإذا كان القائمون على التربية والتهذيب يؤمنون - كما هو الواقع - بأن العنصر الروحي المهذب، لا بد منه في تكوين النشء، فما علينا في طور التربية والتهذيب، إلا أن نعني العناية كلها بتوجيه النشء إلى التفكر والنظر بما يرد الظواهر إلى مصادرها، وعندئذ يجتمع لديهم الفكر والذكر، وتفتح أمامهم أبواب الروحية المهذبة.
لم يخل وقت ما للإنسان، عن التفكير فيما يقع عليه حسه، فكر في الأرض وعرف طبقاتها، وخصائص كل طبقة، وفكر في السماء، وعرف الكواكب في أحجامها وأبعادها وأضوائها، وفكر في الجبال وعرف صخورها وقممها، وفكر في البحار، وغاص في أعماقها واستخرج كنوزها. وهكذا يعمل الإنسان جهده في الاتصال بمركبات الكون وعناصره. وقد وصل في بحوثه إلى الذرة، واستخدمها فيما يريد ولكن هل نرى أنه تفكير يخدم الروح والقلب، أو أنه تفكير يخدم العقل بلذة العلم والمعرفة؟ وإن شئت قلت: هو تفكير يخدم المادة، والمادة الطاغية، ولا سبيل له بالروح، ولا بالروح المهذبة.
والقرآن حينما يضع التفكير أول الوسائل للتهذيب الروحي لا يريد هذا التفكير الجاف الذي يأخذ العقل به آثار الكون المادية، ثم يطغى بها على الذين لم تهيئ لهم ظروف الحياة وسائل تفكيرهم، ولا درجة عقولهم، فهو تفكير شر من الجمود. وعلم شر من الجهل؛ لا يريده القرآن ولا يعرفه، وإنما يعرف القرآن من التفكير ما يصل بالإنسان إلى معرفة الآثار مسندة إلى مصدرها الذي أنعم بها، وعندئذ يشكر ولا يكفر.
وإن هؤلاء الذين قصروا التفكير على بعض نتائجه، أو على أحد هدفيه وأغفلوا النظر إلى الهدف الآخر، وهو أسمى الهدفين هم في نظر القرآن ممن قال فيهم: الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ