ذِكْرِي [1] وقال فيهم: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} « [2] . وقال فيهم: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [3] . أما بعد:
فهذه هي الوسيلة الأولى للتهذيب الروحي، تفكير في خلق الله، وذكر لله؛ ففكر واذكر، تحظ بالرضا والقرب، وتسعد في الدنيا والآخرة.
وإذا كان الإسلام يحارب في علاقة الإنسان بالحياة، الروحية البحتة، كما حارب المادية البحتة، ورأى أن الروحية البحتة، سبيل التعطل وإهمال لقوى العمل المودعة في الإنسان، ولقوى الإنتاج المودعة في الكون وأن المادية البحتة، سبيل لقتل المعاني الفاضلة، وتدفع بالإنسان إلى جوانب الطغيان، المفسد للحياة. كان من ضرورة ذلك، أن يدعو إلى المزاوجة بين حظوظ الجسم المعتدلة، وحظوظ الروح المعتدلة، ويبني منهجه في ذلك على الواقع الطبيعي للإنسان.
والإسلام دائمًا ينظم بأحكامه واقع الإنسان بما يقف به في الحد الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، والإنسان في واقعه جسم وروح، وللجسم حظ ومتعة، وللروح حظ ومتعة، وكمال سعادته إنما تكون باستكمال حظي الجسم والروح معًا. ومن هنا نراه في كثير من نصوصه يرفع عن الإنسان الحجر في التمتع بملاذ الجسم المعتدلة، ويبيح له، بل يغريه ويأمره بالطيبات، في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه، وفي حاجة نفسه من الزوجة والمال والولد، وينكر أشد الإنكار على من يحرم على نفسه شيئًا من ذلك مع القدرة عليه، ونراه في الوقت نفسه، يدعوه بإلحاح إلى أن يمتع روحه بالعلم عن طريق التلقي والقراءة، وعن طريق الفكر والنظر.
وقد صح أن أناسًا جاءوا إلى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته فيما بينه وبين الله التي غفر له بها ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأن أحدهم قال: «إني لا آكل اللحم أبدًا» وقال آخر: «وأنا لا أتزوج النساء» ، وقال ثالث: «وأنا لا أنام على فراش» ؛ فبلغ أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم غاضبًا وقال: «ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، واني لأخشاكم لله وأتقاكم، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .
(1) الكهف: 101.
(2) طه: 124.
(3) الكهف: 28.