وصح أنه قال لآخرين، أرادوا رفض الدنيا والترهب «إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع، فاعبدوا الله ولا تشركوا به واستقيموا يستقم بكم» .
وصح عنه أنه قال: «ليس في ديني ترك النساء واللحم ولا اتخاذ الصوامع» ، وقال: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [1] . وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [2] . واقرأوا في هذا المبدأ قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [3] ، وقوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنزلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا} [4] . {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [5] .
والسر في ذلك أن الطيبات نعم الله على الإنسان، والله يحب من عباده أن يقبلوا نعمه التي تدعو إليها فطرهم، ويحب أن يرى أثرها عليهم، ويكره لهم الجناية على فطرهم بمنعها حقها.
ولقد كانت تلك التعاليم التي لبى بها الإسلام داعية الفطرة، عاملًا قويًا في شيوع الحضارة البشرية في مظاهر هذه الحياة؛ فقد أرشدت على وجه عام إلى ما يجمل به الإنسان نفسه، وخاصة في مناسبات التجمل بالزينة والرياش ولفتت الأنظار إلى أن تقوى الله إنما هي في الانتفاع بتلك النعم، وأوحت بذلك إلى إحياء صناعة الطيبات، وصناعة اللباس، كما أوحت إلى الجد في تحصيل موادها مما تنبت الأرض، وأوحت إلى أن ستر العورة وما يثير الغرائز، من أهداف الحكمة الإلهية في تقرير هذا المبدأ، والى أن سنة العرى التي يألفها بعض القبائل المتوحشة، وإبداء شيء من مفاتن الجسم كما نراه اليوم في دعاة الحضارة الزائفة، مخالف للأدب الإنساني العام، ومناف لما تقتضيه الطبيعة الآدمية من التحفظ والابتعاد عن مظاهر التبذل وعوامل الفتن.
(1) المؤمنون: 51.
(2) البقرة: 172.
(3) المائدة: 93.
(4) الأعراف: 26.
(5) الأعراف: 31، 32.