الصفحة 21 من 108

وما كان ذكر المسجد في الأمر باتخاذ الزينة إلا مثلًا للمجتمعات الفاضلة؛ التي يجب أن يظهر فيها الإنسان بنعم الله عليه ولعلنا ندرك من هنا سر الإرشادات النبوية التي تدعو إلى التطيب، وحسن الملبس في مجتمعات الصلاة والأعياد، والمناسبات الجامعة.

بهذا ونحوه، عدل الإسلام الجانب الروحي في الإنسان.

ولكن الإسلام مُنيَ كما أسلفنا بقوم تأثرت نفوسهم بمظاهر الرياضة الروحية التي عرفت عند بعض الأمم، ولم تهتدِ إلى ما يردها عن الشذوذ فيها. ورأت أن أساسها يدعو إلى التقشف وطرح التجمل، ومعالجة النفس في تعويدها الحرمان من متع هذه الحياة.

وقد اندفع سيل من تلك الأمم على البلاد الإسلامية، ووجد من أبناء الإسلام من شق له الأنهار وحفر له الجداول، فانساب في النوادي الإسلامية، وأنبت كلمات أسندت فيما بعد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان لتلك الكلمات أثرها عند كثير من الناس في فهم الإسلام على غير وجهه، ومنها: «جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله» وأنه: «ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش» ، «لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه» ، «سيد الأعمال الجوع وذل النفس، ولبس الصوف» . وما إلى ذلك مما يقرأ الناس في كتب التصوف التي دخلت على الدين بشيء كثير.

والحمدلله الذي قد هيأ للحق ما كشف عنه ستار الباطل، فقد علق الحفاظ على هذه الكلمات وأمثالها بأنه لا يوجد لها أصل في صحيح المروي عن الرسول عليه السلام.

نعم اتخذ في إباحة التمتع بزينة الحياة - جريًا على مبدأ الاعتدال الذي بنيت عليه سائر أحكامه - تحفظين شدد في مراعاتهما: حسن النية، وهو يكون بقصد شكر الله على نعمه لا بقصد التفاخر والخيلاء، ثم الوقوف فيها عند حد الاعتدال حتى لا يقع الإنسان في الإسراف. {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [1] {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [2] {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [3] .

وبهذين التحفظين اللذين يحققهما شكر الله والاعتدال، حارب الإسلام الترف والبذخ والتبذير فيما لا يعود على النفس ولا على الأمة بخير.

(1) الأعراف: 31.

(2) البقرة: 190.

(3) النحل: 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت