من القضايا التي لا تحتاج إلى برهان: «لا وجود لمن لا شخصية له» .
والوجود منه حسي وقوامه شخصية حسية، ومنه معنوي، وقوامه شخصية معنوية والموجود لا يحظى بالوجود المطلق إلا إذا نال نصيبه من الشخصيتين، الحسية والمعنوية، فيتحقق له الوجودان، الحسي والمعنوي.
نرى ذلك في الأفراد وفي الأمم وفي كل شيء، والشخصية الحسية للفرد ترجع إلى صورته التي ركب عليها، والشخصية المعنوية، ترجع إلى درجة عقله وتدبيره وما عنده من ثبات ومثابرة على مبدئه وهدفه، والشخصية الحسية للأمة ترجع إلى إقامتها في إقليمها الذي نشأت فيه، وترجع شخصيتها المعنوية إلى شعورها بقيمتها في الحياة وفي نصيبها منها، وعلى قدر ما يكون لها من هذه الشخصية يكون لها بين الأمم من الوجود المعنوي، فإما ارتفاع وسلطان وعزة، وإما انحطاط وقهر وذلة.
وقد درج العرف البشري منذ أن تعددت خلايا الإنسان على اتخاذ الإقليمية أو الجنسية أو المذهبية، أساسًا للشخصية المعنوية ومن هنا تباينت الأهداف، وتضاربت الرغبات، واختلفت السبل، وتولدت العداوات، وكانت الأطماع، وكانت الأنانية، وكان التسخير، وأخيرًا كانت الحروب، وكان الفتك والتدمير.
كل ذلك وأرباب الشخصية الإنسانية العامة التي رسمها العليم الخبير بطبائع الأمم والأفراد، والتي أدارت دولاب العالم حينًا من الدهر، فوجهته إلى كثير من الخير، وفتحت له أبوابًا من العلم النافع - قد انتابهم من الضعف والشلل بسبب التفرق المذهبي أو السياسي وما يجعلهم أشلاء مبعثرة في أنحاء الكرة الأرضية، يسامون ويساومون، حتى لقد نزع كثير منهم شخصيته الإلهية المجمعة، وانحازوا إلى تلك الشخصيات التي لا هم لها إلا القضاء أولًا وقبل كل شيء عليهم وعلى شخصيتهم وعلى إخوانهم المنتسبين إليها.
أيها الأخ الكريم، تسألني عن خير السبل لتوحيد كلمة المسلمين ولم شعثهم؟ وهو في جوهره سؤال عن خير السبل لرجوعهم إلى شخصيتهم المعنوية التي رسمها الإسلام والتي على أساسها يجتمعون وبها يعزون، وهو سؤال شغل من قديم أفذاذ المسلمين الذين أدركوا الداء وعرفوه، والتمسوا الدواء وبحثوا