الصفحة 22 من 108

وفي الحق أن الترف غول الأمم، يأكل فيها مكارم الأخلاق، وينزل بها إلى مهاوي التهلكة.

وقد اعتبر الإسلام الإسراف الترفي من موجبات الحجر، احتفاظًا بأموال الله التي هي قوام الحياة وعصبها للفرد والجماعة، وتطهيرًا لصدور المعدمين من الحقد، الذي تولده وتنميه مظاهر السرف المحيطة بهم، وهم محرومون من حاجتهم الضرورية والمعيشة المطمئنة المريحة.

هذا هو موقف الإسلام في تعديل الروحية وتهذيبها، وفي علاقة الإنسان بزينة الحياة، يقطع السبيل على الذين يحاولون تشويهه، ويرد زيفهم إلى محورهم، ويرشد إلى أن روحية الإسلام تعانق المادية الفاضلة. كأن الإسلام بتعاليمه الواضحة في هذا المقام لا يمكن أن تستغني منه أمة؛ تريد حياة طيبة مضيئة؛ في ظل من الأمن والاستقرار.

اتضح أن الإسلام وضع للتهذيب الروحي جملة من الوسائل، تعمل كلها على تنقية الفطرة من ألوان الشرك وصوره المختلفة التي تطمس في القلب صورة التوحيد الخالص، الذي فطر عليه الإنسان، وربطت به سعادته في الدنيا والآخرة.

ورأينا أن التفكير في ملكوت السموات والأرض، كان أول ما عنى به الإسلام وأرشد إليه من تلك الوسائل، إذ به تعرف الآثار الدالة على جلال مصدرها وكماله في العلم والقدرة، والسلطان والرحمة، ومن هنا تخضع النفوس عن طريق برهاني، عقلي ووجداني لإرادة مصدرها، رب العالمين، الرحمن الرحيم، ويعظم لديها الوعي الديني الذي يخلق فيها النشاط لطاعته، وتحري ما يرضيه في معاملة النفس، ومعاملة الناس.

وأن هذا التفكير الذي دعا إليه الإسلام للحصول على تلك الغاية لم يكن هو ذلك التفكير الجاف الذي يسخره الإنسان في سبيل المادة فقط، ويستخدم آثاره التي يحصل عليها في العدوان، وتخريب المدائن والعمائر، وترويع الآمنين، والقضاء على نعم الله في خلقه، كما يدرك ذلك الآن المتحسس لنفسيات العالم في شرقه وغربه، وإنما هو تفكير يطمئن القلب ويخدمه، قبل أن يخدم العقل ودون أن يروع الآمن، تفكير ينزع بالإنسان إلى جانب الروحية المهذبة التي تدعوه إلى استخدام ما يصل إليه عن طريق التفكير في المحافظة على الإنسانية، والأخذ بها إلى الكمال الذي قدر لها وخلقت لأجله.

وقد كان للقرآن في الدعوة إلى هذا التفكير أساليب مختلفة من شأنها مضاعفة الرغبة التي تدفع الإنسان إليه، فمن أسلوب يعلن، أن الله ما خلق السموات والأرض باطلًا لا خير فيه، وإنما خلقهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت