لغاية قضت بها الحكمة الإلهية في خلقهما وخلق الإنسان {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} [1] {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [2] ولا باطل ولا لعب أكثر ولا أشد من الإعراض عن النظر فيما خلق الله، هذا الإعراض الذي تظل به أسرار الرحمة كامنة في جوف المخلوقات دون أن تعرف، ودون أن تظهر بها الرحمة في خلقه، وكذلك لا باطل ولا لعب بل لا طغيان ولا عدوان أكثر ولا أشد من معرفتها والوصول إليها، ثم استخدامها في التخريب والتدمير، والقضاء بها على أخضر العالم ويابسه، انقيادًا لشهوة زائفة، أو جبروت كاذب.
ومن أسلوب يعلن أن الله ما خلق العالم على هذا النحو المملوء بالأسرار والسنن التي هيأ الإنسان للوصول إليها، إلا لينتفع بها الإنسان {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [3] .
وليس من شك في أن الانتفاع بها ينتظم الانتفاع بأعيانها في الحياة المادية، وبإدراكها في الحياة العقلية، وبدلالتها في الحياة الروحية والآية ترشد بعد هذا إلى أن مواطن هذا النفع ليست خاصة بظواهر هذا الكون، وإنما هي مبثوثة في ظاهره الذي نحصل عليه بمجرد النظر، وفي باطنه الذي نحتاج إلى قوة في اقتحامه وخوض غماره، وفي هذا إيحاء بالبحث عما استقر في باطن الأرض وطبقات الجبال، وقاع البحار، وما يحمل الماء والهواء من قوى الإنتاج ومواد الصناعة والتعمير.
ومن أسلوب يؤكد للإنسان أن الله سخر له هذا الكون، وأقدره على استخراج أسراره وجعله في قبضة يده، ومتناول عقله {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [4] . {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [5] . {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [6] {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [7] {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} [8] . {وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [9] .
(1) آل عمران: 191.
(2) الأنبياء: 16 - 18.
(3) البقرة: 29.
(4) لقمان: 20.
(5) الجاثية: 12.
(6) ص: 36.
(7) سبأ: 10.
(8) سبأ: 12.
(9) الحديد: 25.