ومن أسلوب ينبه إحساس الإنسان إلى التطلع نحو بعض المخلوقات، ذات الشأن في الحياة، فيندفع إلى تلمس ما اشتملت عليه من آيات وأسرار ومنافع وآثار وقد استخدم في هذا الأسلوب، قسم الله - الغني عن القسم - بهذه المخلوقات.
{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [1] . {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} [2] .
ومن أسلوب يوجه الأنظار إلى أصول جملة من الثروات التي تتكون منها الاقتصاديات الضرورية في حياة الأمم ونهضتها؛ ففي الثروة الحيوانية: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا، لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا} [3] . وفي الثروات النباتية: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} [4] . وفي الثروات المائية: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [5] . وفي الثروات الجبلية: {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [6] .
ومن هذه الآيات ونحوها وهو كثير واضح في القرآن، يتجلى أن الإسلام قد وجه الإنسان إلى بحث الكائنات، وتعرف خواصها وأسرارها، والانتفاع بها في بناء الحياة؛ على أساس أنها نعمة من نعم الله، وآثار رحمته بعباده، تقابل بالشكر والحمد والثناء، وشكرها هو الإيمان بمصدرها، واستعمالها فيما ينفع الخلق وعمارة الكون.
وبينما نرى القرآن يدعو إلى التفكير على هذا الأساس، نراه ينعي خطة الذين فكروا وعرفوا دون أن يتخذوا من تفكيرهم غذاء للقلوب، ومددًا للأرواح {وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [7] . يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ
(1) الشمس: 1 - 8.
(2) العاديات: 1 - 5.
(3) النحل: 5.
(4) الأنعام: 141.
(5) النحل: 14.
(6) فاطر: 27.
(7) النحل: 72.