الصفحة 25 من 108

ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا [1] . {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا، وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [2] .

وإذا كان هؤلاء مع بحثهم، وتعرف أسرار الكون، في منزلة الأنعام، الذين ليس لأرواحهم حظ فيما يحصلون عليه من المنافع المادية، فما بال قوم ألغوا عقولهم، وسلبوها الاستعداد الفطري للنظر والبحث، واكتفوا من النظر بتقليب الوجوه في بناء السماء وزرقتها، والكواكب وكثرتها، والجبال وضخامتها، والبحار وأمواجها، وحرموا أنفسهم من التمتع بالمادة التي تبني الحياة. وبالعلم الذي يغذي العقل. وبالدلالة التي تغذي الروح؟

وكم يضيق الإنسان ذرعًا حينما يرى المسلمين - وتلك تعاليم كتابهم وإرشاداته - في حرمان من اللذات التي ربط الله بها سعادة الناس، وحثهم على تحصيلها والانتفاع بها!! وكم يشتد ضيقه حينما يراهم فيها عالة على غيرهم، يأخذونها عنهم على أنها علومهم ونتائج بحوثهم، ويأخذونها بمنهجهم في قطعها عن مصدرها المنعم بها، المسخر لها!!!

ولقد كان هذا الموقف من المسلمين، مما هيأ لغيرهم أن يتهموا الإسلام بالجمود، وأنه دين يعترض التقدم، ولا يسمح بلذة العلم ولا بعزة الحياة، وبذلك اندفعوا إلى بلاد الإسلام باسم العمل على تقدمهم، يختبرون فيها الجبال والوديان، ويحصلون على الخير من بواطنها، ويتخذون فيها لذلك المراكز الشرعية التي بها يستعمرون. ألا وإن واجب المسلمين اليوم وقد تكشفت لهم نوايا القوم، وذاقوا منهم ومن جهلهم بأسرار الكون ما ذاقوا، أن يستأنفوا لهم حياة جادة عاملة؛ عمادها البحث والنظر، والانتفاع بما سخر لهم في مواد الحياة وبذلك يستجيبون لله في دعوته، ويحفظون لأنفسهم سلطان الدنيا ومكانة الآخرة.

الإسلام دين العقل والعلم

قد كان موقف القرآن في الحث على التفكير في ملكوت السموات والأرض بأساليبه التي عرضناها؛ برهانًا واضحًا على مكانة العقل والعلم في نظر الإسلام؛ إذ العقل آلة التفكير، والعلم ثمرته. وإذن يكون كل ما ورد في القرآن حثًا على التفكير، هو إعلانًا عن فضل العقل، وإيحاءً بالعمل على تربيته وتقويته، وهو في الوقت نفسه إعلان وتسجيل لفضل العلم، وإيحاء بتحصيله، فيقف الإنسان على الحقائق، وتزول عنه غشاوة الجهل، ويحرر من رق الأوهام والخرافات.

وبذلك كان الإسلام، دين الفكر، ودين العقل، ودين العلم، وحسبنا أن رسوله لم يقدم حجة على رسالته إلا ما كان طريقها العقل والنظر والتفكير، ولم يشأ له ربه أن يحقق للقوم ما كانوا يطلبون من خوارق حسية تخضع لها أعناقهم {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [3] .

وقد ارتفع القرآن بالعقل، وسجل أن إهماله في الدنيا سيكون سببًا في عذاب الآخرة، فقال حكاية لما يجرى على ألسنة الذين ضلوا ولم يستعملوا عقولهم في معرفة الحق والعمل به: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [4] . وكذلك ارتفع بالعلم وجعل أهله في المرتبة الثالثة بعد الله والملائكة {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [5] . ثم جعلهم وحدهم هم الذين يخشون الله من عباده، بما أدركوا من آثار قدرته وعظمته، فقال بعد أن لفت الأنظار إلى نعم الله وآياته {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [6] .

وكان من مقتضيات أن الإسلام دين العقل، ودين العلم، أنه حذر اتباع الظن، وجعل البرهان والحجة، أساس الإيمان {هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [7] ، {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا، إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [8] ، وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ

(1) النحل: 83.

(2) الأعراف: 179.

(3) العنكبوت: 50، 51.

(4) الملك: 10.

(5) آل عمران: 18.

(6) فاطر: 28.

(7) الأنعام: 148.

(8) يونس: 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت