عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [1] ، {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [2] .
وقد رفع من شأنه فعبر عنه بالسلطان {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا} [3] ، {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} [4] . وهكذا كان العقل، وكان العلم والبرهان في نظر القرآن.
ومن هنا كثرت آيات القرآن الواردة في ذم التقليد وجري الخلف وراء السلف، دون نظر واستدلال، هؤلاء الذين ورثوا عقائدهم وآراءهم عن آبائهم وأجدادهم لا لشيء سوى أنهم آباؤهم وأجدادهم، وكأنهم يرون أن السبق الزمني، يخلع على خطة السابقين وآرائهم في المعتقدات، وأفهامهم في النصوص، قداسة الحق وسلطان البرهان، فالتزموها وتقيدوا بها، وسلبوا أنفسهم خاصة الإنسان، خاصة البحث والنظر، وفي هذا الشأن يقول الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ، قَالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا} [5] ، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا} [6] .
حكى عنهم الجمود على ما كان عليه سلفهم، فهم يرثون أفكارهم وآراءهم، كما يرثون عقارهم وأرضهم، وحكى عنهم اكتفاءهم بمعتقداتهم الموروثة، ووقوفهم بأنفسهم عندها دون أن يتجهوا إلى الترقي والتدرج في العلم والعمل، ولا شك أن كلا الموقفين: الجمود عند الموروث والاكتفاء به، مصادم لما تقضي به طبيعة الكون وطبيعة كل حي، من النمو والتوليد.
والتناسل الفكري، كالتناسل النباتي والحيواني والإنساني، كلاهما شأن لابد منه في الحياة، ولو وقف التناسل الفكري لارتطم الإنسان في حياته بكثرة ما تلد الطبيعيات التي هو منها، وعندئذ يعجز عن تدبير الحياة النامية التي لم يقدر لها النماء إلا خدمة له، وسبيلًا لخيره ونفعه؛ فيتحقق فشله في القيام بمهمة الخلافة الأرضية التي اختير لها ووكلت إليه منذ القدم.
(1) النجم: 28.
(2) الإسراء: 36.
(3) غافر: 35.
(4) غافر: 56.
(5) البقرة: 170.
(6) المائدة: 104.