وليس من ريب في أن حكمة الحكيم، الرؤوف الرحيم، تأبى أن يخلق بشرًا ويسويه ويعدله بالعقل، ويفضله على كثير من خلقه، ويجعله خليفة في أرضه؛ يظهر رحمته وجوده. ثم يتركه على هذا الوضع، يأكل بعضه بعضًا.
فكان من رحمته أن أنزل الكتاب؛ إرشادًا وهداية لما يجب أن يسلكه في تنظيم حياته، ويتخذه أساسًا لمجتمعه فنحى الجنسية العصبية، والإقليمية، ونحوهما، من الأسس البشرية عن مكانة الأساس الأول للجماعة الإنسانية، وسما بالإنسانية عن أن يكون اجتماعها وترابطها راجعين إلى اعتبارات، كثيرًا ما تدفع بأصحابها إلى التفرق والخصام، وتغري بينهم العداوة والبغضاء، فتفصم عرى الإنسانية الفاضلة، وتقضي على روح التعاون والتراحم، وتطمس معالم السعادة والهناءة؛ وجعل الأساس في بناء المجتمعات الاعتصام [1] بمبدأ الخير العام والرحمة الواسعة، والعدل المطلق {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [2] .
وبذلك تكون الإنسانية مهما اختلفت جنسياتها، وتباعدت أقاليمها، وتعددت مذاهبها وآراؤها، تدور كلها حول مبدأ ثابت لا يتغير ولا يزول، ويعتريه نقص ولا أُفول؛ فتشعر بالوحدة، وتنشط في رفعة شأنها والقيام بواجبها: يأخذ قويها بيد ضعيفها، ويواسي غنيها فقيرها، وبذلك تنمو الحياة ويسعد الناس {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [3] .
بنى القرآن تنظيمه للحياة على هذا الأساس، وجاءت كل شرائعه وأحكامه تعمل عملها في تقويته وتشييد صرحه؛ فعلى من أراد أن يكون مجتمعًا فاضلًا، يعرف مكانته في الحياة، ونصيبه في الخلافة الأرضية التي جعلت هدفًا لخلق الإنسان عليه أن ينظر، أي طريق يصل به إلى تكوين المجتمع على هذا الأساس، وفي سبيل ذلك سيجد من معلوماته الأولية التي لا يختلف فيها عقلي، يستمد أساس الاجتماع من فكرته الفلسفية، وديني، يستمد من هداية الله ووحي السماء. يجد من هذه المعلومات أن للإنسان في
(1) وفي سبيل الاحتفاظ بهذا المبدأ الذي يوحد بين البشرية في العقيدة والوجهة طلب القرآن التضحية بالنفس والمال والأهل والولد والجنسية وجعل إيثار شيء من ذلك محادة لله ولرسالاته التي بعث لتبليغها كل رسله وأنزل ببيانها كل كتبه ولتقرأ ذلك في آيات التضحية الواردة في القرآن الكريم.
وفي سبيله أيضًا ألغى أخوة النسب إذا لم تشد أزرها أخوة الإيمان ومنع التوارث بين المؤمن وغير المؤمن وفرق بينهما في كثير من الأحكام التي كانت سببًا للقرابة الطبيعية.
(2) آل عمران: 101.
(3) الحجرات: 13.